
يا دير
كان علينا أن نمرَّ
فخاننا الوصول
كلما فتح الطريق فمه
عاد منه شيء لا يشبه العائدين
ظلّ على الاسفلت
امرأة منطفئة على عباءتها
وطفل صغير
يقف فوق خوفه
كأنَّ صدره الصغير آخر ما تبقَّى من البيوت
كان يمكن للطريق
ان يكون طريقا
لكنهم تركوه طويلاً مراوغاً
حتَّى تعلم كيف يبتلع الذين يمشون عليه
كلّ مرَّة …
نعد أصابعنا
ثم ننقص واحداً
كلّ مرَّة…
تعود السيارات
ولا يعود الذين كانوا بداخلها
ولا أحد يسأل
كم يلزم من الموت
كي يكف الطريق عن استقبالنا
كم مرَّة شرب من أعمارنا
وكم مرَّة أعاد لنا الصمت
كنَّا نريده أن يوصل الأمهات إلى أبنائهن
والأبناء إلى بيوتهم في الخراب
ثمَّ هناك
في الطرف الذي لا تراه الخرائط
مدينة لا تجد مكاناً لدفن الحزن
فالبيوت التي مزَّقتها البراميل
لم تعد تتسع للغياب
والفرات الذي فاض به دمعه
كان يريد أن يغسل وجهها بين الركام
تحت سماء مثقوبة
ظلَّت دير الزور
تنتظر أن يمرَّ يوم واحد
دون أن تفقد شيئاً
لكن الطريق
كان دائماً لديه رأي آخر
كلما ظنّت المدينة
أنَّها نجت
مدَّ يده إلى جهة ما
واقتطع منها اسماً جديداً
حتَّى صار للمدينة
وجه من غياب
فربما مازال واقفاً
ذاك الصغير
في مكانٍ ما داخلنا
يرفعُ عينيه إلى الذين يمضون
ولا يفهم
لماذا كلما جاء أحدٌ من بعيد
كان يحملُ معه
شيئاً من الموت
وكلَّما عاد
ترك خلفه
طريقا آثماً
ومدينة
تتعلَّم كلَّ يوم
كيف تعاتب بصمت
بقلم: مريم عيسى