كتاب وشعراء

انتفاضة النخبة أو سقوط الجميع… بقلم أعراب خالد

ليس الشارع وحده من يحتاج إلى انتفاضة، بل العقول التي تدّعي أنها تقوده. النخبة التي صمتت طويلاً، أو تواطأت، أو انشغلت بترف النقاشات العقيمة، لم تعد مجرد شاهد على الأزمة، بل أصبحت جزءًا منها.

في كل مرة ينهار فيها الواقع، نبحث عن المسؤول في السياسي، في الفاسد، في النظام… لكننا نتجاهل فئة أخطر: النخبة التي رأت، فهمت، ثم سكتت. تلك التي تملك الوعي لكنها تفتقر إلى الشجاعة، وتملك المنابر لكنها تخشى الحقيقة.

أي نخبة هذه التي تكتب لتُرضي لا لتُوقظ؟
أي مثقف هذا الذي يختبئ خلف الكلمات بدل أن يصدم بها المجتمع؟
وأي أكاديمي هذا الذي يحلل الخراب بلغة باردة وكأنه يتحدث عن تجربة مخبرية لا عن شعب ينهار؟

انتفاضة النخبة ليست شعارًا عابرًا، بل ضرورة ملحّة.
انتفاضة ضد الخوف أولًا، وضد الانتهازية ثانيًا، وضد ذلك الكذب الجماعي الذي أصبح أسلوب حياة.

النخبة الحقيقية لا تجامل، ولا تهادن، ولا تبحث عن التصفيق.
النخبة الحقيقية تُقلق، تُحرج، وتضع المجتمع أمام مرآة لا يريد النظر إليها.

غير أن الواقع يكشف صورة مغايرة. كثير ممن يُسمَّون نخبة، ليسوا سوى موظفين عند السلطة، أو تجار أفكار، أو هواة شهرة. يكتبون ما يُطلب، ويصمتون حين يجب أن يتكلموا، ويظهرون حين يكون الظهور آمنًا.

لكن الحقيقة الأعمق أن الأزمة لم تعد في الصمت فقط، بل في الانفصال.
انفصال النخبة عن واقعها، عن نبض الناس، عن الألم اليومي الذي تعيشه المجتمعات. أصبحت بعض النخب تتحدث من أعلى، لا من الداخل، تحلل من مسافة، وتُفكّك الأزمات وكأنها لا تمسّها.

وهنا يكمن الخطر:
حين تفقد النخبة إحساسها بالواقع، تتحول إلى فقاعة مغلقة، تستهلك نفسها في النقاش، وتفقد قدرتها على التأثير.

وفي المقابل، يستمر الواقع في الانحدار، بلا مقاومة فكرية حقيقية.

الأخطر من ذلك، أن هذا الصمت أصبح مألوفًا. لم يعد يثير الدهشة ولا الغضب، بل تحول إلى حالة طبيعية. كأن المجتمع تعوّد على نخبة لا تقود، لا تواجه، ولا تدفع ثمن مواقفها.

وهنا يبدأ الانهيار الحقيقي.

لأن المجتمعات لا تنهار فقط بسبب أخطائها، بل حين تفقد القدرة على الاعتراف بها.
وحين تغيب النخبة عن دورها، لا يبقى الفراغ فارغًا، بل تملؤه الفوضى، أو الجهل، أو الشعارات.

التاريخ واضح في هذا السياق:
حين تصمت العقول، تتكلم الغرائز.
وحين تغيب الحقيقة، ترتفع الأصوات التي لا تملك سوى الضجيج.

لهذا، فإن أي تغيير حقيقي لن يبدأ من الشارع وحده، بل من عودة النخبة إلى دورها.
حين يقرر المثقف أن يكون صادقًا بدل أن يكون مقبولًا،
وحين يختار الكاتب أن يكون مؤثرًا بدل أن يكون مشهورًا،
وحين يرفض الأكاديمي أن يكون شاهد زور، ويختار أن يكون شاهد حق…

عندها فقط يمكن أن نتحدث عن انتفاضة.

انتفاضة النخبة لا تعني الفوضى، بل تعني استعادة الوظيفة الأصلية للفكر: قول الحقيقة.
لا بنصف كلمات، ولا بمواقف رمادية، بل بوضوح لا يترك مجالًا للتأويل.

إنها تبدأ من قرار فردي بسيط في ظاهره، لكنه مكلف في جوهره:
أن تقول ما يجب قوله، لا ما يُسمح لك بقوله.
أن تكتب وأنت مستعد لدفع الثمن، لا وأنت تبحث عن القبول.

في النهاية، المسألة ليست معقدة كما تبدو:
إما أن تتكلم النخبة الآن… أو تشرح لاحقًا لماذا سكتت.

أما غير ذلك، فسنظل ندور في نفس الحلقة:
شعب غاضب، ونخبة صامتة، وواقع يزداد سوءًا.

الانتفاضة الحقيقية تبدأ من هنا:
من عقل يرفض التبرير، ومن قلم يرفض الخضوع.

وإن لم يحدث ذلك،
فلن يكون السقوط مفاجئًا…

بل بطيئًا، صامتًا،
يشبه تمامًا صمت النخبة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى