
كان البيت زمان جداراً من الطوب يصد عنه شر الشارع، وكان الأب يقف على الباب يودع ابنه للمدرسة مطمئناً، أما اليوم، فقد صار الخطر يتسلل من شقوق الهواء، يدخل غرفة النوم المغلقة، ويجلس على وسادة الطفل في هيئة شاشة براقة.
تحولت الهواتف الذكية والأجهزة اللوحية إلى ألعاب مفضلة وفصول دراسية افتراضية، فوجد الآباء أنفسهم أمام تحدٍ لم تعرفه الإنسانية من قبل: كيف يحمون فلذات أكبادهم من عالم لا يُرى؟
*1 بين النعمة والنقمة*
لا أحد ينكر أن التقنية صارت نافذة على الكون ، بها يتعلم الطفل، ويرسم، ويتواصل. لكن خلف هذا البريق أرقام توجع القلب.
بحسب مركز بيو للأبحاث Pew Research Center فإن الغالبية العظمى من الأطفال دون الثانية عشرة يتفاعلون يومياً مع الشاشات، وترتفع نسبة مشاهدة منصات الفيديو بشكل حاد حتى بين الرضع.
ويعترف أكثر من 70% من الآباء الأمريكيين بقلقهم من قضاء أبنائهم وقتاً مفرطاً أمام الشاشات، فيما يرى 66% أن تربية الأطفال في هذا العصر أصعب بكثير من أي وقت مضى.
وفي هذا المشهد أقول:
يا شاشةً في حضن طفلي قد جلستْ
تسرقين الضحك واللعب والوقتَ
كنتِ نافذةً للعلم فصرتِ سجناً
فمتي ننُقذ البراءة منكِ ؟
*2 أبرز التحديات التي تواجه الآباء*
لم يعد التنمر يقتصر على فناء المدرسة. صار يلاحق الطفل حتى سريره عبر ألعاب الأونلاين ووسائل التواصل، ويتركه جريحاً في روحه.
وحذرت الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال AAP في تقاريرها عن النظم البيئية الرقمية من أن التطبيقات اليوم لا تكتفي بالترفيه، بل صُممت لتبقي الطفل أسيراً. إنها تعتمد على التصميم القائم على التفاعل عبر التمرير اللانهائي والتشغيل التلقائي والخوارزميات التي تصطاد الانتباه.
ومن أخطر ما رصدته الأبحاث عجز النقل المرئي حيث أن الأطفال دون 18 شهراً لا يستطيعون نقل ما يتعلمونه من الشاشة ثنائية الأبعاد إلى العالم الحقي، ويبقى الحضن والكلمة هما مدرسة اللغة الحقيقية.
كما أن الشاشات ليلاً تسرق النوم والصحة وتضعف التركيز والتحصيل.
ويستغل المحتالون براءة الطفل لانتزاع صورة أو معلومة فيتحول البيت إلى ساحة ابتزاز.
أما الألعاب فهي إدمان مصمم تمنح مكافآت وهمية لتبقي العقل معلقاً، كما يعلق الصياد السمكة بالطعم.
*3 رأيي كشيماء شريف: درعي ليس تطبيقاً*
ككاتبة وإعلامية، وكسفيرة لقضايا الطفل والأسرة، أؤمن أن الخطر الحقي ليس في الجهاز نفسه.
الخطر أننا سلمنا أطفالنا للشاشة لأننا تعبنا، أو لأننا لا نعرف كيف نملأ فراغهم.
أنا شيماء شريف أقولها بصراحة: الغذاء لا يبني جسداً فقط، والكلمة لا تبني عقلاً فقط، والحضور يبني إنساناً.
لا يمكن لبرنامج رقابة أن يحل محل قصة قبل النوم، ولا يمكن لفلتر أن يمنع سؤالاً كان يجب أن نسمعه.
درعي هو حضني، وصوتي، ووقتي. إذا لم أكن أنا التطبيق الأول في حياة ابني، سيحمل غيري هذا اللقب.
4 *استرتيجيات بناء درع* *لأطفالنا* ؟
ليست الحماية في كسر الجهاز، بل في إدارة العقل الذي يمسكه. وتقترح الأكاديمية الأمريكية لطب الأطفال خطوات عملية لا تقوم على المنع، بل على الوعي.
أولها خطة الإعلام العائلي Family Media Plan وهي أداة مجانية تساعد الأسرة على وضع قواعد واضحة لأوقات الشاشة تناسب قيم كل بيت.
وثانيها مناطق محرمة على الشاشة فلا هواتف على مائدة الطعام، ولا أجهزة في غرفة النوم قبل النوم بساعة، ليعود البيت بيتاً لا صالة ألعاب.
وثالثها المشاركة لا المراقبة، اجلس مع طفلك والعب لعبته وافهم عالمه، فالطفل الذي يثق بأبويه سيحكي لهم أول ما يتعرض لمحتوى مؤذٍ.
ورابعها تأخير الهاتف الشخصي فلا تستعجل بمنح الطفل هاتفاً مستقلاً واسأل أولاً هل نضج ليحمل مسؤولية الخصوصية والمواجهة.
وخامسها كن أنت المثال، فالطفل يقلد وإذا رآك غارقاً في هاتفك تعلم الغرق.
*الخاتمة: مسؤولية العصر*
قالوا قديماً ربوا أولادكم لزمان غير زمانكم. واليوم صار الزمان رقمياً.
الأمان الرقمي لم يعد برنامج حماية ننزله على الجهاز. صار أسلوب حياة. وكما نحرص على الغذاء الصحي والتعليم الجيد، وجب علينا أن نبني بيئة رقمية آمنة لأطفالنا.
وأختم بقولي:
إن لم نكن نحن الدرعَ للصغارِ
فمن سيحمي الحلم من انكسارِ؟
التقنية سيفٌ إن أحسنا مسكَه
بنى، وإن أهملناهُ كان دمارِ
فإما أن نستخدم التكنولوجيا لنبني بها عقولاً، وإما أن نتركها تهدم ما بنيناه.