محمد الحسيني يكتب :عندما تتحول الجغرافيا إلى قوة .. البحر الأحمر بوابة النظام الإقليمي الجديد

في السياسة، لا تُقرأ التحولات الكبرى بمعزل عن سياقاتها، ولا تُفهم التحالفات العسكرية من خلال بياناتها الرسمية وحدها، فغالباً ما تمثل التصريحات الجزء الظاهر من المشهد، بينما تجري التحولات الحقيقية في المساحة الصامتة بين الوقائع، حيث تتقاطع المصالح، وتُعاد صياغة موازين القوة، وتتشكل خرائط النفوذ الجديدة.
ومن هذا المنظور، فإن الإعلان عن تأسيس التحالف البحري الدفاعي متعدد الجنسيات بقيادة السعودية ومصر لا يمكن التعامل معه بوصفه مجرد استجابة أمنية لتهديدات الملاحة في البحر الأحمر، بل بوصفه مؤشراً على بداية مرحلة إقليمية جديدة عنوانها إعادة هندسة منظومة الأمن البحري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
فالمنطقة لا تواجه أزمة ملاحة عابرة، بقدر ما تشهد صراعاً متصاعداً على التحكم بأحد أهم الشرايين البحرية التي تربط الشرق بالغرب، والخليج بالبحر المتوسط، وآسيا بأوروبا.
وقد تبدو الحرب في اليمن، للوهلة الأولى، صراعاً داخلياً ممتداً، غير أن قراءة أعمق تكشف أن اليمن تجاوز منذ سنوات كونه ساحة نزاع محلية، ليغدو نقطة ارتكاز تتقاطع عندها المصالح الإقليمية والدولية.
فاليمن لا يطل على البحر الأحمر فحسب، بل يتحكم عملياً في المدخل الجنوبي لهذا البحر عبر مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تعبره نسبة معتبرة من تجارة الطاقة والتجارة العالمية.
ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي يدور حول من يحكم صنعاء، بقدر ما أصبح يدور حول من يمتلك القدرة على ضمان أمن باب المندب. ومن هنا يمكن فهم لماذا تحولت اليمن من أزمة داخلية إلى قضية ترتبط بصورة مباشرة بأمن الطاقة العالمي، واستقرار الاقتصاد الدولي، وحرية التجارة البحرية.
ويصعب فصل توقيت الإعلان عن التحالف البحري الجديد عن مجمل التطورات التي سبقته، فقد أعلن الحوثيون فرض حصار بحري يستهدف السعودية، واتسعت دائرة الاستهداف لتشمل منشآت مرتبطة بالطاقة، بينما تعرضت سفينتان داخل ميناء دمياط المصري لهجوم بطائرة مسيرة، في حادث ما تزال التحقيقات الرسمية جارية بشأنه.
ورغم اختلاف طبيعة الحدثين، فإن الرسالة الاستراتيجية التي يحملها كل منهما تبدو متقاربة، وهي أن الممرات البحرية لم تعد مجرد خطوط لعبور السفن، بل أصبحت أدوات ضغط سياسي وعسكري يمكن توظيفها في إدارة الصراعات الإقليمية.
ومن هنا، يبدو أن الرياض والقاهرة توصلتا إلى قناعة بأن إدارة الأزمات بردود أفعال متفرقة لم تعد كافية، وأن المرحلة تستدعي الانتقال إلى بناء منظومة ردع جماعي قادرة على حماية الملاحة، وتأمين البنية التحتية للطاقة، ومنع تحويل البحر الأحمر إلى ساحة ابتزاز جيوسياسي مفتوحة.
وعليه، فإن التحالف البحري الجديد لا يبدو مجرد قوة لتأمين السفن، بل يمثل محاولة لإعادة رسم قواعد الاشتباك في البحر الأحمر، وصياغة معادلة أمنية جديدة تتجاوز معالجة الأحداث الطارئة إلى بناء إطار مؤسسي طويل الأمد لإدارة هذا الفضاء البحري الحيوي.
إن الجغرافيا لم تعد مجرد موقع، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل موازين القوة، وما يجري اليوم يتجاوز حماية الملاحة إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.
واللافت أن قيادة هذا التحالف جاءت من أكبر قوتين عربيتين ترتبط مصالحهما بصورة مباشرة باستقرار البحر الأحمر.
فالسعودية تنظر إلى أمن هذا الممر باعتباره امتداداً لأمن صادراتها النفطية وموانئها الغربية، فيما ترى مصر أن أي اضطراب في باب المندب ينعكس بصورة مباشرة على قناة السويس، التي لا تمثل مجرد ممر ملاحي، وإنما إحدى الركائز الاستراتيجية للاقتصاد المصري.
ومن ثم، لم يعد أمن البحر الأحمر ملفاً سعودياً أو مصرياً منفصلاً، بل أصبح مجالاً حيوياً تتداخل فيه المصالح العليا للدولتين، وهو ما يمنح التحالف بعداً يتجاوز التنسيق العسكري إلى محاولة تأسيس بنية أمنية إقليمية قادرة على التعامل مع التهديدات العابرة للحدود بصورة جماعية.
وفي المقابل، فإن التحذير الذي وجهته جماعة الحوثي إلى الدول المشاركة في التحالف لا يبدو مجرد موقف إعلامي، بقدر ما يعكس إدراكاً بأن البيئة الاستراتيجية المحيطة بالبحر الأحمر تشهد تحولاً نوعياً.
فقد نجحت الجماعة خلال السنوات الماضية في تحويل السيطرة على الممرات البحرية إلى إحدى أوراق الضغط الأساسية في معادلة الردع التي بنتها، بينما يعني قيام تحالف متعدد الجنسيات احتمال انتقال البحر الأحمر إلى مرحلة جديدة من المراقبة والتنسيق العسكري المستمر، وهو ما قد يحد من قدرة أي طرف على استخدام الملاحة البحرية كورقة ضغط أو تفاوض.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم رفض الحوثيين لأي وجود عسكري في المياه اليمنية باعتباره اعتراضاً على إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية التي استندت إليها الجماعة خلال السنوات الماضية.
وفي الخلفية، تتصاعد اللهجة الأمريكية تجاه إيران مع حديث متكرر عن خيارات عسكرية أكثر صرامة إذا استمرت التوترات الإقليمية، وهو ما لا يعني بالضرورة أن مواجهة مباشرة أصبحت وشيكة، لكنه يعكس أن البحر الأحمر لم يعد ملفاً منفصلاً عن الصراع الأوسع بين واشنطن وطهران.
فمن منظور عدد من العواصم الغربية، يصعب الفصل بين تهديدات الملاحة وشبكة النفوذ الإقليمي التي تنسب إلى إيران عبر حلفائها، بينما تنظر طهران إلى هذه الساحات باعتبارها جزءاً من منظومة ردعها الإقليمية.
وهكذا يتحول باب المندب من مجرد ممر ملاحي إلى إحدى ساحات التوازن بين مشاريع النفوذ المتنافسة في الشرق الأوسط.
وعلى الجانب الآخر، اختارت الصين مقاربة مختلفة، ففي الوقت الذي تتحدث فيه الولايات المتحدة بلغة الردع، تتحدث بكين بلغة الاستقرار.
فدعواتها إلى ضبط النفس، ورفض استهداف المدنيين والمنشآت غير العسكرية، جاءت عقب استهداف منشأة تابعة لشركة صينية في الكويت، لكنها تعكس أيضاً حقيقة أعمق تتمثل في أن الصين ليست معنية بالانخراط في صراع إقليمي بقدر اهتمامها بالحفاظ على استقرار طرق التجارة التي يقوم عليها اقتصادها العالمي.
فالبحر الأحمر بالنسبة لبكين ليس ساحة نفوذ عسكري بقدر ما هو شريان اقتصادي حيوي لمبادرة الحزام والطريق، ومن ثم فإن أولويتها الأساسية تتمثل في منع انزلاق المنطقة إلى حرب واسعة قد تعطل حركة التجارة العالمية وسلاسل الإمداد الدولية.
أما حادث استهداف السفينتين في ميناء دمياط، فبغض النظر عن الجهة التي تقف وراءه، فإنه كشف أن الصراع البحري لم يعد محصوراً في المياه اليمنية أو في البحر الأحمر وحده، بل بات يمتد إلى البنية التحتية الحيوية المرتبطة بالطاقة والتجارة في المنطقة.
ومع استمرار التحقيقات المصرية، لا يمكن الجزم بالمسؤولية أو الدوافع النهائية، إلا أن توقيت الحادث سمح بقراءته ضمن سياق أوسع، باعتباره مؤشراً إلى أن الموانئ والمنشآت الحيوية أصبحت جزءاً من معادلة الردع الإقليمية.
كما يفسر ذلك حرص القاهرة على التعامل مع الحادث بهدوء، وانتظار نتائج التحقيقات قبل توجيه أي اتهامات، تجنباً للانزلاق إلى تصعيد قد تكون كلفته أعلى من نتائجه.
وإذا جُمعت هذه التطورات في إطار واحد، فإن الصورة التي تتشكل تختلف كثيراً عن تلك التي تعكسها البيانات الرسمية.
فلسنا أمام أزمة بحرية عابرة، بل أمام عملية إعادة توزيع للأدوار والنفوذ في الإقليم، فهناك محور عربي يسعى إلى استعادة زمام المبادرة في أمن البحر الأحمر، وتحويل إدارة هذا الملف من سياسة الاستجابة للأزمات إلى بناء منظومة أمن جماعي.
وفي المقابل، هناك أطراف ترى أن امتلاك القدرة على التأثير في الملاحة الدولية يمثل أحد أهم عناصر الردع والنفوذ في معادلات الصراع الإقليمي.
أما القوى الكبرى، فتتعامل مع البحر الأحمر من زوايا مختلفة؛ فالولايات المتحدة تنظر إليه باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لاحتواء النفوذ الإيراني، في حين تنظر إليه الصين باعتباره شرياناً حيوياً لا غنى عنه لاستمرار حركة التجارة العالمية.
ولهذا، فإن جوهر الصراع الدائر اليوم لا يتعلق بالسفن وحدها، ولا بالموانئ وحدها، بل بمن يمتلك القدرة على صياغة قواعد الأمن والنفوذ في واحد من أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
قد يبدو أن عنوان المرحلة هو حماية الملاحة، غير أن جوهرها أعمق بكثير من ذلك، فالتحالف البحري الذي تقوده السعودية ومصر لا يمثل مجرد رد فعل على تهديدات آنية، بل يعكس محاولة لتأسيس معادلة أمنية جديدة في البحر الأحمر، تضع الدول العربية في موقع المبادرة بدلاً من الاكتفاء بردود الفعل.
وفي المقابل، يدرك الحوثيون أن نجاح هذه المعادلة قد يحد من قدرتهم على توظيف الجغرافيا كورقة ضغط استراتيجية، بينما تتابع إيران والولايات المتحدة والصين هذه التحولات من زوايا مختلفة، لأن ما يجري في باب المندب لم يعد شأناً يمنياً، ولا حتى عربياً، بل أصبح جزءاً من عملية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية.
وهكذا يبدو جليّاً أن الجغرافيا لم تعد مجرد موقع، بل أصبحت أداة لإعادة تشكيل موازين القوة، وما يجري اليوم في اليمن والبحر الأحمر يتجاوز حماية الملاحة إلى إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية والدولية.
وفي نهاية المطاف، قد لا تكون المعركة الحقيقية على باب المندب ذاته، وإنما على من يمتلك حق صياغة قواعد الأمن والنفوذ في المنطقة الممتدة من الخليج إلى قناة السويس.
فمن ينجح في فرض هذه القواعد لن يؤمّن ممراً بحرياً فحسب، بل سيكون شريكاً في رسم ملامح النظام الإقليمي الجديد، في مرحلة يبدو فيها أن خرائط النفوذ تعاد صياغتها بقدر ما تعاد صياغة خرائط الجغرافيا السياسية.