رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب:حين يسأل الإسرائيليون عن مستقبل إسرائيل

كيربيتشينوك وبابيه..

من نقد الدولة إلى سؤال نهاية المشروع الصهيوني …

لم يعد السؤال عن مستقبل إسرائيل حكراً على خصومها أو على الكتابات الفلسطينية والعربية.

فقد أصبح، بصورة متزايدة، سؤالاً يطرحه مؤرخون ومفكرون يهود وإسرائيليون من داخل التجربة نفسها؛ بعضهم عاش في إسرائيل، ودرس في جامعاتها، وخدم في جيشها، ثم انتهى إلى مساءلة الأسس التي قام عليها المشروع الصهيوني ومآلاته.

ومن هنا تكتسب قضية المؤرخ الروسي ـ الإسرائيلي أرتيوم كيربيتشينوك دلالة تتجاوز شخصه، وإن كان من الضروري التعامل معها بحذر شديد، والتمييز بين ما ثبت وما لا يزال في إطار التقارير.

فقد وصل كيربيتشينوك إلى إسرائيل مطلع أغسطس/آب 2026، ثم انقطع الاتصال به بعد وصوله.

وأفادت مصادر روسية وأشخاص مقربون منه بأنه أوقف من جانب جهاز الأمن العام الإسرائيلي «الشاباك»، فيما أكدت السفارة الروسية أنها تواصلت مع السلطات الإسرائيلية طلباً للمعلومات.

وحتى الآن لم يصدر، وفق المعلومات المتاحة علناً، توضيح إسرائيلي رسمي كامل يحدد مكانه أو وضعه القانوني أو التهم الموجهة إليه.

لذلك فإن وصفه بـ«المختطف» يحتاج إلى قدر من التحفظ؛ والأدق الحديث عن اختفاء أو احتجاز يُرجح أنه أمني إلى أن تتضح الوقائع رسمياً.

وهذه الدقة ليست ترفاً، بل ضرورة أخلاقية وسياسية؛ فالقضايا الكبرى لا تحتاج إلى المبالغة لكي تكون قوية، وإنما تحتاج إلى الحقيقة.

لكن لماذا يحظى كيربيتشينوك بكل هذه الأهمية؟

لأنه ليس ناقداً خارجياً لإسرائيل.

فقد عاش فيها سنوات، ودرس في الجامعة العبرية، وخدم في الجيش الإسرائيلي، قبل أن يعود إلى روسيا وينخرط في البحث والكتابة والتاريخ.

ثم أصبح من الأصوات الناقدة للصهيونية والسياسات الإسرائيلية، وأصدر كتابه «إسرائيل: الطريق إلى الكارثة»، الذي يحاول قراءة التناقضات التاريخية والاجتماعية والسياسية التي يرى أنها تقود الدولة إلى مأزق متزايد.

وهنا تكمن المفارقة.

النقد القادم من داخل التجربة أكثر إزعاجاً من النقد القادم من خارجها؛ لأنه لا يتحدث عن إسرائيل كما تبدو للآخرين، بل كما يعرفها أصحاب التجربة من الداخل.

غير أن اختفاء كيربيتشينوك، حتى لو ثبت احتجازه، لا يثبت بذاته أنه اعتُقل بسبب كتابه أو مواقفه السياسية.

وهذه نقطة ينبغي عدم تجاوزها.

لكن استمرار الغموض، إذا طال، سيضع السلطات الإسرائيلية أمام اختبار حقيقي يتعلق بالشفافية، وسيثير سؤالاً مشروعاً حول حدود الأمن عندما يتقاطع مع حرية الفكر والبحث والتعبير.

وفي الخلفية يأتي اسم آخر أكثر شهرة وتأثيراً: المؤرخ الإسرائيلي إيلان بابيه.

ففي كتابه «إسرائيل على حافة الهاوية»، الصادر عام 2025، لا يتحدث بابيه عن سقوط عسكري وشيك، ولا يحدد موعداً لانهيار إسرائيل، وإنما يناقش احتمال تفكك النموذج السياسي الذي قامت عليه الدولة، ويربط ذلك بمجموعة من الأزمات التاريخية والسياسية والاجتماعية المتراكمة.

ويقترح بابيه ثمانية تحولات يرى أنها ضرورية لانتقال المنطقة إلى صيغة مختلفة، من بينها معالجة قضية اللاجئين وحق العودة، وإعادة النظر في مستقبل المستوطنات، وإعادة تعريف الجماعة اليهودية، وإعادة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، وصولاً إلى تصور دولة ديمقراطية تقوم على المساواة بين الفلسطينيين والإسرائيليين.

ومن المهم هنا فهم معنى «نهاية إسرائيل» في هذا السياق.

فالنهاية التي يتحدث عنها بابيه ليست بالضرورة نهاية وجود اليهود في فلسطين، ولا طردهم، ولا تدمير مجتمعهم.

إنها، بصورة أساسية، احتمال نهاية النموذج الصهيوني القائم على الامتياز القومي اليهودي، والانتقال إلى نموذج سياسي مختلف يقوم على المساواة والشراكة والعدالة التاريخية.

وهذا التفريق جوهري.

فالمشكلة ليست في اليهود كجماعة دينية أو قومية، ولا في حقهم في الأمن والحياة والكرامة؛ وإنما في تحويل التفوق القومي إلى أساس دائم للنظام السياسي، وفي استمرار الاحتلال والاستيطان وإنكار الحقوق الوطنية الفلسطينية، ثم محاولة حماية هذا الواقع بالقوة وحدها.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كيربيتشينوك وبابيه باعتبارهما صوتين مختلفين داخل تيار نقدي أوسع، وإن اختلفت خلفياتهما ومناهجهما واستنتاجاتهما. كلاهما، بطريقته، يلفت النظر إلى أن القوة العسكرية لا تستطيع إلى الأبد أن تعالج أزمة سياسية وتاريخية.

قد تستطيع الدولة كسب حرب، لكنها لا تستطيع بالقوة وحدها إنتاج شرعية تاريخية دائمة.

وقد تستطيع فرض السيطرة على الأرض، لكنها لا تستطيع إلغاء الذاكرة والهوية والحقوق.

وقد تستطيع تأجيل التسوية سنوات، لكنها لا تستطيع إلغاء السؤال الفلسطيني.

وهنا ينبغي أن تكون القراءة الفلسطينية أكثر عمقاً.

فليس من الحكمة أن نبني استراتيجيتنا على انتظار «انهيار إسرائيل»، ولا أن نتعامل مع كتابات بابيه أو كيربيتشينوك باعتبارها نبوءات مؤكدة.

فالدول لا تنهار لمجرد وجود أزمات داخلية، والمجتمعات قادرة أحياناً على إعادة إنتاج نفسها والتكيف مع أزماتها.

لكن الحكمة السياسية تقتضي في المقابل ألا نقلل من شأن التحولات التي تجري داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه.

فإذا كانت قطاعات متزايدة من النخب والمثقفين والمؤرخين الإسرائيليين تعيد النظر في بعض مسلمات المشروع الصهيوني، وإذا أصبحت أسئلة الاحتلال والاستيطان والحرب والديمقراطية والعلاقة مع الفلسطينيين جزءاً من أزمة داخلية، فإن ذلك يمثل تحولاً ينبغي فهمه لا الاحتفال به فقط.

المطلوب فلسطينياً ليس انتظار انهيار الخصم، وإنما الاستعداد لما بعد هذه المرحلة.

فإذا كان التاريخ يفتح نافذة لتحول سياسي كبير، فلا يجوز أن يكون الفلسطينيون مجرد متفرجين عليه. عليهم أن يمتلكوا مشروعاً وطنياً جامعاً، ومؤسسات أكثر كفاءة، ووحدة سياسية حقيقية، ورؤية واضحة للحل، قادرة على الجمع بين حق تقرير المصير الفلسطيني، وحق جميع سكان هذه الأرض في المساواة والأمن والحرية والكرامة.

وهنا تصبح القضية أكبر من كيربيتشينوك وبابيه.

إنها قضية انتقال تاريخي محتمل من منطق القوة والسيطرة إلى منطق السياسة والحقوق.

وربما لا يكون السؤال الأهم: متى تنتهي إسرائيل؟

فهذا سؤال تنبؤي لا يستطيع أحد أن يضمن إجابته.

السؤال الأعمق هو:

هل تستطيع إسرائيل أن تستمر إلى ما لا نهاية بالنموذج السياسي نفسه، في ظل الاحتلال والاستيطان والحروب والانقسامات الداخلية، أم أن ضرورات التاريخ ستدفعها في النهاية إلى إعادة تعريف الدولة وعلاقتها بالأرض وبالفلسطينيين وباليهود أنفسهم؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن نتابعه بعقل المؤرخ، لا بعين المتفرج؛ وبواقعية السياسي، لا بأمنيات المنتصر والمهزوم.

أما قضية كيربيتشينوك، فإن الأيام القادمة وحدها ستكشف حقيقتها الكاملة.

وإذا ثبت احتجازه، فإن القضية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد مادة للدعاية السياسية، بل إلى مناسبة للدفاع عن مبدأ إنساني أوسع: حرية المؤرخ في البحث، وحرية المثقف في النقد، وحق الإنسان في معرفة سبب احتجازه ومحاكمته وفق القانون.

فالتاريخ لا تصنعه الجدران وحدها، ولا تحسمه البنادق إلى الأبد؛ وإنما تصنعه قدرة الشعوب والدول على مواجهة الحقائق، وإعادة النظر في الخيارات، واختيار طريق أكثر عدلاً قبل أن تفرضه عليها الوقائع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى