ما بين زلزال “عبدول” وظاهرة “تويتش” وصدمة ترمب: كيف انحسر مد اللوبي الصهيوني على الشواطئ الأمريكية؟

العاصفة الإعلامية التي واكبت ما وصفته أوساط اليسار الأمريكي بـ “الزلزال السياسي” إثر فوز الطبيب المصري الأصل عبد الرحمن السيد (المعروف اختصارًا بـ “عبدول”) بترشيح الحزب الديمقراطي في الانتخابات التمهيدية لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان على حساب نائبة الكونغرس ‘هايلي ستيفنز’ المدعومة بإنفاق دعائي تجاوز 65 مليون دولار من المنظمات الصهيونية (وعلى رأسها لجنة ‘ايباك’ AIPAC)، لم تكد تهدأ حتى صوّب اللوبي الإسرائيلي حرابه إلى “عبدول” (الذي قد يصبح أول سيناتور مسلم في مجلس الشيوخ الأمريكي إذا ما فاز في انتخابات نوفمبر أمام الجمهوري ‘مايك روجرز’)، من زاوية “ارتباطاته الشخصية برموز معاداة السامية”، ربما بعدما لم تؤتِ “هوجة” اتهامه بتبني أفكار جهادية والانتماء لجماعة الإخوان بالثمار المرجوة.
إذ ركّز الإعلام العبري اليوم -عبر تقارير متزامنة في ‘يسرائيل هيوم’ و’معاريف’ و’أحرونوت’ وغيرها من مواقع صحفية- على اتهام “عبدول” بالتحالف الانتخابي المباشر مع نجم منصات البث المباشر والناشط الديمقراطي اليساري ‘حسن بايكر’ Hasan Piker (أمريكي من أصل تركي)، المعروف بأفكاره الراديكالية وبنقده العلني “اللاذع” لإسرائيل.
كان ملحوظًا استشهاد جميع تلك الأبواق بظهور عبد الرحمن السيد إلى جانب ‘بايكر’ في إحدى فعاليات جامعة ميشيغان، كدليل قاطع على ما يجمعهما من “أيديولوجية متطرفة مناهضة للصهيونية ومعادية للسامية”.
مثلما كان مفضوحًا ترديدها، في السياق ذاته، تحذيرات الرئيس ترمب -في مقابلة صحفية أمس- من “سقوط واشنطن في قبضة الجهاديين” إذا ما خسر الجمهوريون انتخابات التجديد النصفي أمام الديمقراطيين “المتطرفين”.
ومن بين ثنايا “الحملة الإعلامية المنسقة”، تلوح مؤشرات “الهوس” الإسرائيلي بصعود نجوم الإعلام البديل في الولايات المتحدة (من أمثال اليميني ‘تاكر كارلسون’ الذي بات يجاهر بانتقاد السياسات الإسرائيلية، والمعلقة السياسية ‘كانداس أوينز’ التي تخوض حربا شرسة مع المؤسسات الصهيونية، والصحافي المفوّه في تفكيك السرديات الإسرائيلية ‘مهدي حسن’ .. وغيرهم)، لا سيما مع التحول الجذري في بوصلة الجيل الأمريكي الجديد، وخصوصًا داخل الحزب الديمقراطي.
‘حسن بايكر’ المولود في ولاية ‘نيو جيرسي’ والذي ترعرع بين أنقرة وإسطنبول، وتبنى الماركسية مذهبًا، مستهلًا مسيرته الإعلامية في شبكة The Young Turks (الأتراك الشبان) اليسارية التقدمية، قبل يتحول إلى البث الحي عبر منصة “تويتش” Twitch عام 2020 فيصبح خلال بضع سنوات نجمًا يُشار إليه بالبنان في فضاء السوشيال ميديا، ببث 8 ساعات يوميًا على مدار 7 أيام في الأسبوع، يمزج الأخبار بالتعليقات السياسية والغمزات الساخرة وألعاب الفيديو، ويتابعه 3.1 مليون شخص على “تويتش” وزهاء مليوني مشترك على “يوتيوب” (تدر عليه أرباحاً صافية تتجاوز مليوني دولار سنوياً) .. هذا الشاب ذو الـ 35 ربيعاً من العمر أصبح اليوم على رأس القائمة الصهيونية “السوداء” لصناع المحتوى الذين يٌنظر إليهم كألد الأعداء من بين “صانعي الملوك” في المشهد السياسي الأمريكي.
إذ وصف ‘بايكر’ الصهيونية بـ “المرض العقلي” Mental illness، وغرّد عبر منصة إكسب (X) بأن “حماس أفضل بألف مرة من دولة الفصل العنصري الاستعمارية الفاشية”. وفي مقابلة مصوّرة في أبريل الماضي مع بودكاست Pod Save America، أحد أكثر البرامج شعبيةً لدى الديمقراطيين، رفض التراجع أو الاعتذار قائلاً: “أنا متمسك برأيي”، موضحاً أنه ينتخب “الأهون شراً” ومقارناً حركة حماس بالجناح العسكري للمؤتمر الوطني الأفريقي ANC خلال النضال ضد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. كما أنه لم يخفِ تعاطفه مع “حزب الله” باعتباره جماعة مقاومة تحارب الاحتلال الإسرائيلي، كما شكك في المزاعم الإسرائيلية بشأن “العنف الجنسي” في هجمات 7 أكتوبر، متهماً تل أبيب بـ “تلويث الأدلة”.
هذه التصريحات كانت كفيلة بتضافر اللوبيات الصهيونية في الولايات المتحدة وأوروبا ضده وشن حملة تتهمه بترويج الكراهية ضد اليهود ودعم الإرهاب، وهو ما
دفع السلطات البريطانية إلى منعه في يونيو الماضي من دخول أراضيها قبل 48 ساعة من زيارة مقررة لإلقاء كلمة في “اتحاد أكسفورد” Oxford Union. فكان رد ‘بايكر’ بتلاوة نص إشعار إلغاء سفره عبر بثه الحي أمام 30 ألف مشاهد، معلقاً: “إذا انتقدت إسرائيل، فستُفرض القيود على سفرك.. هذه هي الفاشية في أنقى صورها”.
وبعد فوز “عبدول” الصادم بترشيح الديمقراطيين لمجلس الشيوخ في ميشيغان، سخّرت اللوبيات ذاتها مواردها المالية وقدراتها التقنية لترويج مقاطع بعينها من محتوى بث ‘بايكر’ وتأطيرها كـ “خطاب كراهية” يتشاركه “الصديقان المسلمان”، على حد وصفها، والهدف واضح. لكن المفاجأة، أن عبد الرحمن السيد رفض تقديم أي اعتذار عن علاقته “الجامعية” مع ‘حسن بايكر’، مشدداً في مقابلة حديثة مع شبكة ‘فوكس نيوز’ على أن “الظهور مع صانعي المحتوى لا يعني تبني كافة آرائهم”، ومتسائلاً: “متى بدأت أميركا بالانحناء لثقافة شطب المختلفين فكريًا؟”.
وقد أثبتت حشود الطلاب التي امتدت خارج القاعات الجامعية في ميشيغان لمشاهدة “عبدول وبايكر” جنباً إلى جنب، أن ماكينات بروباغندا “اللوبي” التقليدية خسرت المعركة أمام سطوة البث المباشر على السوشيال ميديا، مثلما خسرت إسرائيل وفلكها الصهيوني الكثير من الوهج و”النفوذ” التاريخي في الولايات المتحدة – خصوصًا في أوساط الشباب الأمريكي والديمقراطيين.
ولعل صعود “ظاهرة عبدول” وتنامي “مد إعلام اليسار الديمقراطي” هو ما يفسر ذعر الرئيس الأمريكي ترمب و”صدمته” من أفول اللوبي الصهيوني، والتي عبّر عنها أمس صراحةً في مقابلة مع منصة Daily Caller المحافظة، بقوله: “قبل عشرين عاماً، كان لدى إسرائيل أقوى لوبي في الكونغرس على الإطلاق، متفوقة على أي جهة أو دولة أخرى.. لم يكن بوسع أي سياسي أن يتفوه بكلمة نقد واحدة ضد إسرائيل إذا أراد البقاء في السياسة .. واليوم، لم يعودوا يمتلكون ذلك النفوذ، وأنا شخصيًا متفاجئ لرؤية هذا التحول”