رؤي ومقالات

شيركو حبيب يكتب:قوة كوردستان في التعايش.. وبارزاني سر ترسيخ ثقافة التآخي

عندما نتحدث عن كوردستان، لا يمكن أن نختزل الحديث في الكورد وقضيتهم القومية فقط. فهذه الأرض، عبر تاريخها الطويل، كانت قوميات وأديان ومكونات متعددة، عاشت إلى جانب الشعب الكوردي، وتداخلت بينها علاقات اجتماعية وثقافية وإنسانية امتدت عبر أجيال.

ومن هنا، فإن التعايش في كوردستان ليس شعارًا سياسيًا مستحدثًا، ولا فكرة ظهرت في السنوات الأخيرة، وإنما هو جزء من واقع اجتماعي وتاريخي عرفته المنطقة منذ زمن بعيد. وبالطبع، لم يكن هذا الواقع خاليًا من المشكلات والصراعات، فالتاريخ لا يخلو من التوترات والتحولات، لكن ذلك لا يلغي حقيقة أن التنوع أصبح جزءًا أصيلًا من تركيبة المجتمع الكوردستاني.

وقد اكتسبت هذه القضية أهمية أكبر خلال العقود الأخيرة، خصوصًا بعد عام 1991، عندما بدأت تجربة إقليم كوردستان تتخذ شكلًا سياسيًا ومؤسساتيًا جديدًا، ثم بعد سقوط النظام العراقي السابق عام 2003، وصولًا إلى واحدة من أصعب المراحل التي مرت بها المنطقة مع ظهور تنظيم داعش عام 2014.

وفي رأيي، فإن قراءة تجربة كوردستان تحتاج إلى قدر من الإنصاف والموضوعية. لا أرى من الصحيح تقديمها باعتبارها مجتمعًا مثاليًا لا توجد فيه أخطاء أو مشكلات، كما لا أرى من العدل تصويرها على أنها مجتمع مغلق أو متعصب. الحقيقة، كما أراها، تقع بين هذين الحكمين: هناك إنجازات مهمة، وهناك أخطاء وقضايا تحتاج إلى معالجة، لكن هناك أيضًا تجربة حقيقية في التعايش تستحق أن تُقرأ بعيدًا عن المبالغة أو التشويه.

وفي مقدمة هذه التجربة يأتي دور الرئيس مسعود بارزاني.

فمنذ عقود ارتبط اسم الرئيس بارزاني بالقضية القومية الكوردية والدفاع عن حقوق الشعب الكوردي، وهي حقيقة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. لكن الجانب الذي أراه مهمًا في هذا السياق هو أن المشروع القومي، في رؤيته السياسية، لم يكن قائمًا على إلغاء الآخرين أو إنكار حقوقهم.وهذه بالنسبة هي مسألة أساسية.

فالاعتزاز بالقومية والهوية لا يعني النظر إلى الآخرين باعتبارهم أقل حقًا أو أقل انتماءً. بل إن قوة أي مشروع قومي، في اعتقادي، تظهر عندما يستطيع الإنسان أن يحافظ على هويته وخصوصيته، وفي الوقت نفسه يحترم هويات الآخرين وحقوقهم.

وقد أكد الرئيس بارزاني في مراحل مختلفة أهمية التآخي بين مكونات المجتمع، وأن مستقبل كوردستان ينبغي أن يقوم على الشراكة والاحترام المتبادل. وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة في منطقة عانت طويلًا من الصراعات القومية والدينية والمذهبية.

فالإيزيدي ليس غريبًا عن كوردستان، والمسيحي ليس غريبًا عنها، وكذلك التركماني والأرمني وسائر المكونات. لكل مكون تاريخه وذاكرته وثقافته، ولكل واحد منها حضور ترك أثره في تاريخ المنطقة وحياتها الاجتماعية. ولذلك يصعب الحديث عن تاريخ كوردستان الحديث من دون الاعتراف بهذا التنوع.

مع اجتياح تنظيم داعش مناطق واسعة من العراق، تعرض الإيزيديون لمأساة إنسانية كبيرة، كما تعرض المسيحيون ومكونات أخرى لتهديدات خطيرة دفعت أعدادًا كبيرة منهم إلى ترك منازلهم ومناطقهم. في تلك اللحظة لم يعد التعايش مجرد مفهوم سياسي أو ثقافي نتحدث عنه في المناسبات، وإنما أصبح اختبارًا حقيقيًا للإنسانية: هل نستطيع أن نحمي الإنسان عندما يكون في أشد لحظات ضعفه؟

في تلك الظروف أصبحت كوردستان ملاذًا لمئات الآلاف من النازحين واللاجئين الذين فروا من الحرب والإرهاب. ولم يكن هؤلاء من قومية أو دين واحد، بل جاءوا من خلفيات متعددة. وقد تحمل الإقليم أعباء كبيرة في ظل ظروف اقتصادية وأمنية وسياسية صعبة، ومع ذلك وجد كثير من هؤلاء الناس في كوردستان مكانًا أكثر أمنًا من المناطق التي فروا منها.

ولا أريد أن أختزل تلك المرحلة في الشعارات، لأن الواقع كان أكثر تعقيدًا، وكانت هناك أعباء ومشكلات حقيقية واجهها الإقليم والمجتمع. لكن استقبال النازحين و الاجئين وفتح الأبواب أمامهم وتوفير الحماية لهم يبقى، في تقديري، موقفًا إنسانيًا مهمًا لا يمكن تجاهله عند الحديث عن تجربة التعايش في كوردستان.

وفي هذا السياق، لا يمكن أيضًا تجاهل الدور الذي قامت به قوات البيشمركة في مواجهة تنظيم داعش والدفاع عن المناطق التي تعرضت لهجماته. فقد كانت تلك المعركة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية؛ لأنها كانت مواجهة مع تنظيم يحمل فكرًا يقوم على إلغاء الآخر ورفض حقه في الحياة والوجود.

وأعتقد أن تلك السنوات علمتنا درسًا واضحًا: التعايش الحقيقي لا يظهر في الأوقات السهلة، وإنما يظهر عندما يحتاج الإنسان إلى الحماية والمساعدة.

عندما يجد النازح أو اللاجئ مكانًا آمنًا، وعندما يستطيع الإنسان أن يمارس دينه، ويتحدث بلغته، ويحافظ على ثقافته، ويشعر بأن كرامته مصونة، عندها يصبح التعايش ممارسة حقيقية، وليس مجرد كلمة جميلة نرددها.

ولهذا السبب، لا أحب شخصيًا استخدام كلمة «أقليات» بطريقة توحي بأن بعض أبناء المجتمع يعيشون على هامشه. صحيح أن هناك مكونات عددها أقل من غيرها، لكن قلة العدد لا تعني قلة القيمة ولا انتقاص الحقوق.

لكل مكون تاريخه وثقافته وذاكرته، وهذه كلها أجزاء من الصورة التي نعرفها اليوم باسم كوردستان.

كما أنني أرى أن حقوق المكونات لا ينبغي أن تكون هدية من حزب أو حكومة أو شخصية سياسية. الحقوق ليست منّة من أحد. المواطن يتمتع بحقوقه لأنه مواطن، سواء كان كورديًا أو إيزيديًا أو مسيحيًا أو تركمانيًا أو عربيًا أو ينتمي إلى أي مكون آخر.

ومن حق كل مكون أن يحافظ على لغته وثقافته وتراثه، وأن يكون له حضوره في التعليم والإعلام والحياة السياسية والاجتماعية، وفي المقابل تقع على الجميع مسؤوليات وواجبات تجاه المجتمع والوطن.

لكن الحديث عن الحقوق لا يكتمل من دون الحديث عن القانون.

فالتعايش لا يمكن أن يستمر إذا شعر المواطن بأن القانون يفرق بينه وبين غيره. ولهذا فإن سيادة القانون والمساواة أمامه يجب أن تكونا أساسًا لحماية الجميع، وأن تكون المواطنة هي الإطار الذي يجمع أبناء المجتمع على اختلاف قومياتهم وأديانهم.

وهنا أعتقد أن الصراحة ضرورية.

كوردستان ليست خالية من المشكلات، وهناك قضايا تحتاج إلى معالجة وتطوير. ولا أرى أن الدفاع عن كوردستان يعني إنكار أخطائها أو تجاهل ما يحتاج إلى إصلاح. على العكس، فإن الاعتراف بالمشكلة هو الخطوة الأولى نحو معالجتها.

لكن في الوقت نفسه، هناك فرق بين النقد الذي نحتاج إليه من أجل الإصلاح، وبين تحويل كل مشكلة إلى وسيلة لتقديم صورة سوداء عن كوردستان بأكملها.

أنا مع النقد عندما يكون هدفه الإصلاح، وضد أن يتحول الخلاف السياسي إلى وسيلة للحكم على مجتمع كامل. فمن حق أي شخص أن ينتقد، لكن من حق الناس أيضًا أن يعرفوا الصورة كاملة، لا أن يسمعوا جانبًا واحدًا منها.

ولهذا أرى أن تجربة التعايش في كوردستان تحتاج إلى قراءة هادئة ومتوازنة. لا أقول إنها تجربة كاملة، ولا أعتقد أن هناك مجتمعًا كاملًا، لكنني في الوقت نفسه لا أرى من الإنصاف تجاهل ما تحقق فيها.

استقبال النازحين واللاجئين ، ومواجهة داعش، والحفاظ على حضور المكونات المختلفة في الحياة العامة، كلها وقائع ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار عند تقييم هذه التجربة.

أما الرئيس مسعود بارزاني، فأعتقد أن دوره في هذه القضية يجب أن يُقرأ ضمن مسيرته السياسية الطويلة. فهو قائد قومي كوردي، وهذه حقيقة لا ينبغي إخفاؤها، لكن القومية الكوردية في رؤيته لا تعني أن يعيش الآخرون خارج دائرة الحقوق أو يشعروا بأنهم غرباء في أرضهم.

وهذه نقطة أراها أساسية في فهم مشروعه السياسي.

فالإنسان يستطيع أن يكون معتزًا بقوميته وهويته، وفي الوقت نفسه يحترم قومية ودين وثقافة الآخرين. وأنا أؤمن بأن الإنسان يستطيع أن يكون كورديًا ومعتزًا بكورديته، وأن يحترم في الوقت نفسه الإيزيدي والمسيحي والتركماني والعربي وسائر المكونات.

المشكلة تبدأ عندما تتحول الهوية من مصدر للاعتزاز إلى وسيلة لإلغاء الآخرين.

إن كوردستان يشعر فيها الجميع بأنهم شركاء حقيقيون، وليست كوردستان يشعر فيها مكون واحد بأنه صاحب الأرض وغيره مجرد ضيف. لأن كوردستان التي نريدها ليست كوردستان التي يشعر فيها مكون بأنه صاحب الأرض وغيره مجرد ضيف، بل كوردستان يشعر فيها الجميع بأنهم أصحابها، وشركاء في حاضرها ومستقبلها.

كلنا أصحابها بعيدًا عن الأفكار المسبقة والأوهام التي تحاول قراءة الواقع من خارج حقائقه.

الكوردي والإيزيدي والمسيحي والتركماني والعربي وسائر المكونات يجب أن يشعروا بأن لهم مكانًا وحقوقًا وكرامة وواجبات في هذه الأرض.

والتآخي لا يعني أن نتخلى عن هوياتنا، على العكس، يمكن لكل إنسان أن يحافظ على لغته ودينه وثقافته وخصوصيته، وفي الوقت نفسه يعيش مع الآخرين في إطار من الاحترام والمواطنة.

فالاختلاف في حد ذاته ليس مشكلة، المشكلة تبدأ عندما نحول الاختلاف إلى كراهية أو إقصاء.

لقد علمتنا تجارب العراق والمنطقة أن تجاهل التنوع يمكن أن يؤدي إلى نتائج خطيرة. وعندما يتحول الاختلاف الديني أو القومي إلى وسيلة للإقصاء، يبدأ المجتمع بتفكيك نفسه من الداخل.

ولهذا فإن حماية التنوع في كوردستان ليست مسألة أخلاقية فحسب، وإنما هي أيضًا قضية تتعلق باستقرار المجتمع ومستقبله. وكلما شعر المواطن بأنه محترم وآمن، وأن له مكانًا وحقوقًا في وطنه، أصبح أكثر استعدادًا للمساهمة في بنائه والدفاع عنه.

وأعتقد أن مسؤولية الحفاظ على هذا التعايش لا تقع على الحكومة أو الأحزاب وحدها. إنها مسؤولية الجميع: المؤسسات، والأحزاب، ورجال الدين، والمثقفين، والإعلام، ومنظمات المجتمع المدني، وكل مواطن يؤمن بأن الإنسان يجب أن يُحترم قبل أن يُسأل عن قوميته أو دينه.

وفي النهاية، فإن كوردستان، بكل ما لها من إنجازات وما عليها من ملاحظات، قدمت خلال العقود الأخيرة تجربة مهمة في مواجهة الإرهاب واستضافة النازحين والحفاظ على مجتمع متعدد القوميات والأديان.

لا أقول إن هذه التجربة كاملة، ولا أعتقد أن هناك مجتمعًا كاملًا. لكنني أعتقد أنها تجربة تستحق أن تُقرأ بإنصاف؛ بعيدًا عن التقديس، وبعيدًا أيضًا عن التشويه، وبعيدا عن الأفكار المرضية و الأوهام الخيالية.

أما ما أؤمن به فهو بسيط وواضح: لا يمكن أن نبني مستقبلًا أفضل إذا اعتقدنا أن هويتنا لا نحميها إلا بإلغاء هوية الآخرين.

كوردستان القوية ليست التي يخاف فيها مكون من مكون آخر، وإنما التي يشعر فيها الجميع بأن اختلافهم لا ينتقص من حقوقهم ولا من كرامتهم.

التآخي ليس تنازلًا عن الهوية، والتعايش ليس إلغاءً للاختلاف. وقوة كوردستان الحقيقية تكمن في أن تكون وطنًا يحافظ فيه كل مكون على هويته وكرامته، ويشعر في الوقت نفسه بأنه شريك حقيقي في مستقبل هذه الأرض.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى