رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب:متلازمة “إسماعيل” المعاصرة:

حين يبتلع العجز البشر وتصبح الحياة ترفاً مؤجلاً

بين منتصف القرن التاسع عشر والربع الأول من القرن الحادي والعشرين، تبدو الجغرافيا المصرية وكأنها تدور في حلقة مفرغة من “عقدة التحديث بالاستدانة”؛
فالمشهد الذي قسّم مصر في عهد الخديوي إسماعيل بين قاهرة أوروبية باذخة وريف يئن تحت وطأة الكرباج والضرائب، يعيد إنتاج نفسه اليوم بأدوات حداثية أشد قسوة، حيث يوضع المواطن المطحون بين شقّي رحى: جباية غير مسبوقة لتسديد فواتير قروض دولية، وعمران مظهري معزول يخاطب المانحين والمستثمرين.
برامج الحماية الاجتماعية: عناوين منزوعة الجوهر
تتغنى السردية الرسمية ببرامج الحماية الاجتماعية مثل “تكافل وكرامة” أو مبادرات الدعم النقدي والزيادات الدورية للحد الأدنى للأجور؛ لكن القراءة البنيوية للواقع تكشف أن هذه البرامج ليست سوى لافتات دعائية أُفْرِغت من مضمونها الفعلي.
إنها سياسة “رد الفعل” التي تلهث عاجزة خلف قطار التضخم السريع المتولد عن الانهيارات المتتالية لقيمة العملة المحلية.
كل جنيه تمنحه الدولة كدعم نقدي، يتبخر قبل أن يصل إلى جيب المواطن أمام الارتفاع الرهيب لأسعار السلع الأساسية، الدواء، والمحروقات.
لقد تحول الدعم من أداة “لتحسين المعيشة والتنمية” إلى مجرد “مصل إنعاش ضعيف ومؤقت” للبقاء على قيد الحياة، في ظل تراجع حاد ومخيف للخدمات العامة الأساسية في قطاعي التعليم والصحة، مما أجبر الأسر على دفع “ضرائب مقنعة” عبر الاستعانة بالقطاع الخاص لعلاج مرضاهم وتعليم أبنائهم.
فلسفة الجباية: عندما تُفرض الضرائب على فنجان القهوة
في المقابل، تبنت الدولة فلسفة اقتصادية تقوم على توسيع الوعاء الضريبي بشكل عمودي وأفقي لا يرحم. فرضت الضرائب غير المباشرة ورسوم الخدمات المبالغ فيها على كل تفصيلة في حياة المواطن، حتى وصلت إلى “فنجان القهوة” في الأماكن العامة، ورسوم استخراج الأوراق الرسمية، وخدمات المرور والكهرباء والغاز والمياه.والانترنت.
خطورة هذه السياسة الجبائية أنها “عمياء طبقياً”؛ فهي تقتطع النسبة نفسها من جيب الفقير والمليونير على حد سواء عند شراء السلعة أو الخدمة.
هذا الضغط المالي المتواصل لم يترك للطبقة المتوسطة مساحة للتنفس، بل دفع بقطاعات واسعة منها إلى حافة العوز، ليعيد إلى الأذهان ذات العقلية التي فرضت “ضريبة الفرد” و”قانون المقابلة” في عصر إسماعيل لملاحقة أقساط الديون الأجنبية.
جغرافيا العزل: قصور العلمين مقابل أنقاض الأمل
المفارقة الأكثر استفزازاً في سيكولوجية الجماهير الحالية هي أن دعوات “التقشف” والتحمل التي توجها السلطة للشعب، لا تجد أي صدى في سلوكها الإنفاقي؛ فبينما يُطالب المواطن بالصبر على الجوع، يرى بعينيه مظاهر رغد وثراء فاحش تتمثل في تشييد القصور الرئاسية الفاخرة، والمنتجعات الشاطئية في مدينة العلمين الجديدة، والمقرات الحكومية الهائلة في العاصمة الإدارية، إلى جانب أساطيل السيارات والطائرات.
هذا الإنفاق البذخي (Prestigious Spending) يعتمد على منطق سياسي يرى في “إظهار الرخاء المظهري” أداة لجذب القروض ولإثبات الجدارة الائتمانية أمام المؤسسات الدولية.
لكن النتيجة الاجتماعية كانت كارثية:
تأسيس “جغرافيا معزولة للرفاهية” تفصل بين النخبة الحاكمة والقريبين والمستفيدين منها وبين عامة الشعب، هو تدمير لمفهوم “التضامن الاجتماعي”،
حيث غابت القدوة وتحولت وعود المستقبل المشرق إلى مجرد خطاب منفصل تماماً عن واقع الشارع.
التحلل المجتمعي: أمراض “الأنومي” وسيكولوجية انتظار الموت
إن النتيجة المباشرة لهذا الانسداد الاقتصادي وفقدان الأمل لم تعد تقتصر على الفقر المادي، بل امتدت لتحدث تحللاً هيكلياً في النسيج القيمي للمجتمع (حالة الأنومي السوسيولوجية):
جرائم القتل الغريبة:
تصاعدت معدلات العنف الأسري والجرائم غير المألوفة الناتجة عن الانفجار النفسي تحت وطأة الضغوط المالية لتدبير قوت اليوم.
جشع التجار والفساد الصغير:
تحول الجشع والرشوة إلى “آليات دفاعية” يتذرع بها الأفراد للبقاء وتأمين أنفسهم ضد التضخم، مما أدى لتآكل الثقة المتبادلة بين الناس.
حوادث الطرق والعدوانية:
انعكس القلق المستمر، والشرود الذهني، والإنهاك في العمل لعدة وظائف، على سلوكيات القيادة، لتعبر حوادث الطرق عن حالة عامة من اللامبالاة وفقدان قيمة الحياة.
هذا بالإضافة الي انتشار السرقة والبلطجة وانتشار المشاحنات والتدهور الأخلاقي.
أما الملمح الأكثر قتامة في هذه المعادلة، فهو وصول المواطن إلى مرحلة يرى فيها أن “الموت أرخص من سعر العلاج”. عندما يصبح الموت حلاً اقتصادياً وعلاجاً واقياً من انعدام الأمل، فإن المجتمع يعلن بوضوح تفكك عقده الاجتماعي الأساسي مع الدولة.
مآلات المشهد: الارتداد التاريخي والانفجار القادم
إن افتراض الأنظمة الحاكمة بأن إنهاك المواطن في الجري وراء لقمة عيشه هو الضامن لاستقرار الحكم هو رهان تاريخي فاشل.
فالقرن ونصف القرن الذي يفصلنا عن عهد الخديوي إسماعيل كان ينبغي أن يكون كافياً لتطوير بنية الدولة ورفع مستوى معيشة الإنسان، لا لإحداث “ارتداد تاريخي” يعيد إنتاج متلازمة الديون والجباية والفقر بآليات أكثر حداثة.
التحلل الاجتماعي الحالي، واستشراء الفساد، وسحق الطبقة المتوسطة، وفقدان الأمل، كلها مؤشرات تؤكد أن استمرار الحال على ما هو عليه يجعل الانفجار قادماً لا محالة.
هذا الانفجار قد لا يأتي في صورة ثورة سياسية منظمة أو واعية، بل في شكل انفجارات عشوائية، وعصيان مجتمعي صامت، واضطرابات أمنية واجتماعية لا يمكن لأي ترسانة أمنية أن توقفها؛
فالجوع الكافر لا يعترف بأسوار المدن الذكية ولا بوعود السلاطين.
الخلاصة: عبرة التاريخ ونبوءة الشارع
في المحصلة النهائية، تقف مصر اليوم عند مفترق طرق تتطابق تضاريسه مع ماض ظننا أنه استحال رماداً؛ لتثبت الأزمة الراهنة أن الاستدانة لم تكن يوماً حلاً لبناء الأوطان، بل صكاً لارتهان حاضر الشعوب ومستقبلها.
إن الرهان الأمني على قبول المواطن بالضيم، واعتبار انشغاله بلقمة العيش ضماناً للصمت، هو قراءة مبتورة لسنن التاريخ؛ فالتحلل القيمي والمجتمعي الذي نعيشه ليس غياباً للفعل، بل هو الاحتقان الذي يسبق الانفجار.
وإذا استمرت السلطة في مسيرها نحو تشييد جزر الرفاهية على حساب جوع الأغلبية، فإن التاريخ لا يعيد نفسه هنا كملهاة، بل يستعد لصياغة فصل جديد كمأساة كاملة الأركان؛ فالجوع حين يتحالف مع انعدام الأمل، لا يترك خلفه جدراناً قائمة، ولا قصوراً محمية.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى