رؤي ومقالات

الفنان مراد درويش يكتب: هل كنتُ أنا حقًّا حين رسمتك؟

سألني أحدهم: «هل ستظل تعرض أعمالك وتشاركها، حتى وإن لم تحظَ بالكثير من المعجبين؟»
وكان هذا جوابي:
لا أقول إن الفنَّ يكبر كلما كثُر المعجبون به، ولا إن اللوحة تزداد جمالًا كلما طال أمامها وقوف الناس، ولا أقول إن الفنان يرسم ليُرضي الناس؛ فالناس لا يجتمعون على جمال، كما لا يجتمعون على حب، وما يراه أحدهم نورًا قد يراه الآخر ظلمة، وما يصفقون له اليوم قد ينسونه غدًا. ولو جعل الفنان آذان الناس ميزانًا لفنه، عاش عمره يرسم بأيديهم لا بيده، وينظر بعيونهم لا بعينه، حتى لا يبقى منه في لوحته شيء.

إنما الفن، فيما أراه، لحظة صدقٍ يقف فيها الإنسان أمام نفسه عاريًا من رغبة الإعجاب، ومن خوف الرفض، ومن سؤالٍ طالما أفسد على المبدعين حريتهم: ماذا سيقول الناس؟
اللوحة ليست رسالةً أكتبها للناس بقدر ما هي حديث شخصي أكتبه إلى نفسي أولاً، هي خطوط وألوان ترجمتُ بها ما عجزت عن قوله بالكلمات. قد يحب الناس ما أرسم، وقد ينصرفون عنه، وأنا كـ(مراد) لم يعد يعنيني مدح أو ذم سواء على المستوى الشخصي أو الفني لأن القلوب تتغير والنفوس لا تصفو على الدوام، وكل مُشاهد لأعمالي لديه (أچندة) تُحركه بعيدًا عن طريق الفن إلى طرق أخرى، إلا بعض المنصفين الذين يرون الفن بعين الحقيقة، لكن لا أخفيكم سرًا أني على مستوى العاطفة أسعد بلا شك بمحبة المحب وأتألم وأتعلم من ذم القادح، على كل حال، ما شأن الفن بذلك كله؟ إن العمل حين يخرج من يد الفنان يصبح له مصيره، أما لحظة خلقه فلا ينبغي أن يكون فيها أحدٌ بين الفنان ونفسه.وهذا لا ينفي إيماني بأن المتلقي عنصر هام من عناصر المعادلة الفنية، وبه تكتمل رحلة الفنان.

إن أخطر ما يصيب الفنان أن يبدأ في مراقبة وجوه الآخرين وهو يرسم؛ عندئذٍ يتسلل الناس إلى مرسمه، ويجلسون بينه وبين لوحته، ويختارون له ألوانه، ويهذبون جنونه، ويقصّون أجنحة خياله، حتى ينتهي إلى عملٍ يعجب الجميع، ولا يشبه صاحبه. أما أنا، فأريد من لوحتي أن تشبهني، ولو لم تعجب أحدًا. أريد أن أضع فيها خوفي كما أضع فيها فرحي، ضعفي كما أضع قوتي، وحدتي كما أضع ازدحامي، وأن أترك للخط أن يرتجف إن ارتجفت روحي، وللون أن يصرخ إن عجز لساني عن الصراخ. فما قيمة الفن إن لم يمنح الإنسان مكانًا يستطيع فيه أن يكون نفسه دون أي اعتذار؟

ولهذا لا أسأل لوحتي بعد أن تنتهي: هل سيحبك الناس؟
ولكنني أسألها سؤالًا واحدًا:
هل كنتُ أنا حقًّا حين رسمتك؟
فإن قالت نعم، تركتها تمضي إلى العالم وحدها؛ أحبها من أحبها، ورفضها من رفضها. ويكفيني منها أنها، في لحظةٍ ما، كانت المرآة التي لم أكذب أمامها أو أتجمل. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى