
خلال القمة العربية بالقاهرة، عام ١٩٩٦، ذهبنا صباح اليوم الأول للقمة، وجدنا العقيد الليبي معمر القذافي، في اجتماع منذ الصباح الباكر، مع الشيخ سعد العبد الله، ولي عهد الكويت، رئيس وفدها في القمة، نظراً لمرض الأمير الشيخ جابر، ولم تكن علاقات البلدين على مايرام، منذ الغزو العراقي للكويت عام ١٩٩٠، وموقف القذافي الشهير خلال قمة القاهرة آنذاك.
المهم، بذلك وجدنا نحن معشر الصحفيين خبراً مهماً، وهو كما تخيل الغالبية، أن الاجتماع سوف يسفر عن نتيجة إيجابية، بعودة العلاقات، وما شابه ذلك، وكنت قد طلبت من قذاف الدم، المعاون الأبرز للقذافي، لقاءً لـ”الأهرام” مع الأخ العقيد، فوعد بذلك (وأذكر أني قلت لقذاف الدم مازحاً: أن الأخ العقيد حينما سيعلم أن الحوار مع “عبدالناصر” فسوف يرحب)، وبعد دقائق قليلة فوجئت بقذاف الدم يبحث عني قائلاً: الأخ العقيد سوف يعقد مؤتمراً صحفياً بعد لحظات، سوف أضمن لك أن تسأل أول سؤال عن لقاءه بالشيخ سعد، وبعد المؤتمر، نسعى لموضوع اللقاء الخاص.
بالفعل حينما بدأ اللقاء طلبت الكلمة، فإذا بقذاف الدم، وهو الذي يدير المؤتمر، يشير لي بالحديث، نظر إليه القذافي، فأومأ إليه الآخر بما يشير إلى أنه هو: قلت سيادة الأخ العقيد، جلستكم مع الشيخ سعد العبد الله استمرّت ما يزيد على ساعتين، نأمل أن تكون المياه قد عادت إلى مجاريها، بعودة العلاقات بين البلدين إلى طبيعتها، وما هو الجديد منكم في قمة اليوم؟ فأجاب القذافي إجابة لم تكن على البال أبداً، ما أسفر عن انسحاب الصحفيين الكويتيين بكاميراتهم التليفزيونية من القاعة، ثم تضامن معهم بقية الصحفيين الخليجيين، وسط هرج ومرج، حتى ظننت أنني قد أكون سبباً في فركشة المؤتمر.
قال القذافي: نحن في ليبيا، ظللنا عشرات السنوات نقاوم ونحارب الاحتلال الإيطالي، أنتم في مصر كذلك مع الاحتلال البريطاني، الأخوة في الجزائر فقدوا ما يزيد على المليوني شهيد، في مقاومة الفرنسيين، كذلك الحال في دول عديدة، الآن دول الخليج يجلبون الاحتلال للمنطقة ويدفعون له وينفقون عليه، وأضاف: قلت للشيخ سعد: ما هو الخطأ في أن تنضمون للعراق حتى تصبحون دولة قوية لا تحتاج إلى حماية أجنبية، ولماذا لا تنضم قطر للسعودية للسبب نفسه، وتعود الإمارات لعُمان، والبحرين لإيران، حتى تصبح هناك كيانات قوية، ولا تخرج خيرات المنطقة للأجانب.
المهم مرت الأيام، وكان القذافي أول من نادى بتدويل الحرمين الشريفين، قائلاً: إن آل سعود ليس من حقهم الهيمنة على مكة والمدينة، والتحكم فيمن يريد أن يحج أو يعتمر، ويعتقلون هذا ويمنعون ذلك، بل قال إنهم ليسوا أمناء على قبلة المسلمين، مشيراً إلى ممارساتهم المشينة في بقاع العالم، بل وفي الأراضي الحجازية ذاتها، وأذكر أنه في ذلك العام، أثناء موسم الحج، أرسل حجاج ليبيا إلى القدس للصلاة في المسجد الأقصى، بدلاً من مكة والمدينة، في إطار الضغط على النظام السعودي.
مرت الأيام، وكان القذافي أو من أطلق اسم (إسراطين) على كل من إسرائيل وفلسطين معاً، داعياً إلى دمج الشعبين في وطن واحد، مادامت الأمور تأزمت إلى هذا الحد، وكانت وجهة نظره تنطلق من قناعة أن اليهود سيهجرون فلسطين إلى بلدانهم الأصلية في هذه الحالة، لأنهم لا يستطيعون العيش في بلد مستقر، هم دائماً يعيشون على إشعال الحروب والتوترات والمواجهات، والحياة الربوية والعبثية.
السؤال: مع طرح كل هذه القضايا من جديد الآن على الساحة الدولية، هل كان القذافي سابقاً عصره، دمج دول الخليج، تدويل الحرمين، إعلان دولة إسراطين؟ مع الوضع في الاعتبار أنه أيضاً أول من حذر مبكراً، من دور دولة الإمارات في المنطقة، باعتبارها كياناً صهيونياً يشكل خطورة على الجسد العربي.