محمود سيد محمد يكتب :“نسور الحضارة 2026″.. عندما حلق “التنين” مع “الرافال” في سماء مصر: مناورة تاريخية لها ما بعدها

في الساعة العاشرة من صباح يوم 23 أغسطس، انطلقت صافرات الإنذار التحذيرية الوهمية من على متن المقاتلات الصينية J-16، لتكون إشارة البدء لأكثر المشاهد إثارة في تاريخ التعاون العسكري المصري-الصيني. ففي ثاني نسخة من مناورات “نسور الحضارة 2026″، ولأول مرة على الإطلاق، التقت مقاتلات “رافال” المصرية الفرنسية الصنع بنظيراتها الصينية الثقيلة في سماء مصر، في مشهد حمل رسائل استراتيجية عميقة، لم تكن مجرد تدريبات عاديه بين قوتين جويتين، بل محطة مفصلية في مسار العلاقات الدفاعية بين القاهرة وبكين، فجّرت جدلاً واسعاً داخل الأوساط العسكرية الإقليمية والدولية، لا سيما في تل أبيب ونيودلهي وواشنطن.
تفاصيل التدريبات التي أفصحت عنها القوات الجوية الصينية كشفت عن سيناريوهات قتالية معقدة، شملت اشتباكات فردية (One-on-One) ومناورات على مسافات مختلفة، تلتها مواجهات ثنائية وجماعية. ووفقاً للمشاهد التي بثتها وسائل الإعلام الصينية، ظهرت المقاتلة J-16 وهي تناور بشكل لولبي عنيف خلف الرافال المصرية، وتمكنت في إحدى اللقطات من “تذييلها” واتخاذ وضعية إطلاق النار الوهمي من مسافة قريبة. وقد بدا واضحاً — لمن تابع اللقطات المتداولة بعناية — أن الطيار المصري كان يضغط على عصا القيادة بعنف في بعض المناورات، وهو ما قد يشير إلى أن المنافسة كانت محمومة أكثر مما أعلن رسميًا. ورغم أن هذه الصور لا تعكس النتيجة النهائية للتمرين بالكامل، إلا أنها تؤكد أن التدريبات بلغت مستويات غير مسبوقة من المحاكاة الواقعية. ولم تكتف بكين بإرسال مقاتلاتها فقط، بل نشرت تشكيلاً جويًا متكاملًا ضم نحو 6 طائرات J-16، مصحوبة بطائرة الإنذار المبكر والتحكم KJ-500، وطائرات التزود بالوقود YY-20A، وعناصر دعم لوجستي، بعد أن اجتازت القوة الصينية مسافة تجاوزت 6 آلاف كيلومتر قادمة من قواعدها البعيدة، في امتحان حقيقي لقدراتها على الإسقاط الاستراتيجي والانتشار السريع في قارة أخرى.
يرى مراقبون ومحللون أن التحدي الأكبر الذي واجهته الصين لم يكن مجرد اختبار قدرات طائرتها J-16، بل كان الفرصة النادرة للاحتكاك المباشر بطائرة غربية من الجيل 4.5 تتمتع بسمعة قتالية عالية، خصوصاً أن الهند تمتلك أسطولاً مماثلاً من الرافال وتخطط لشراء 114 مقاتلة إضافية. وفي حديث لاحد القنوات أوضح قائد سابق في القوات الجوية الصينية فضّل عدم الكشف عن هويته، أن الهدف الصيني لم يكن “سرقة” أسرار تقنية، لأن التجهيزات المصرية تختلف بالطبع عن الهندية، بل كان “إزالة الغموض” عن خصائص الطائرة وأسلوب قيادتها في الجو. وببساطة، كلما اكتشف الطيار الصيني نقاط قوة وضعف الرافال في مناورة حقيقية، كلما زادت حظوظه في معركة محتملة فوق أجواء الهملايا، وهو ما يفسر القلق الهندي المعلن الذي وصف التدريبات بأنها “فرصة ذهبية” لبكين لاستكشاف استراتيجيات الاشتباك مع عمودها الفقري الجوي.
من الزاوية المصرية، تحمل المناورات أبعاداً مختلفة تماماً، فالقاهرة التي ظلت لعقود أسيرة للهيمنة الأميركية في ملف التسليح، تغدو اليوم أكثر إصراراً على تنويع مصادر قوتها الدفاعية. وكشف مصدر في غرفة العمليات المصرية طلب عدم ذكر اسمه لحساسية الموقف، أن “الرافال المصرية كانت حريصة على تقديم عرض حقيقي لقدراتها، لكن الفائدة الأكبر كانت في فهم كيفية عمل نظام القتال الصيني المتكامل، وليس فقط الطائرة”. ويشير مراقبون إلى أن هذه التدريبات قد تكون الغطاء الناعم لصفقات مستقبلية، خاصة في ظل تسريبات متكررة عن اهتمام مصري بمقاتلات J-10C الصينية أو أنظمة دفاع جوي بعيدة المدى، ورغم نفي الجانبين الرسمي لهذه الأنباء، إلا أن المناورات المشتركة تظل أقوى مؤشر على تزايد التقارب العسكري بين البلدين، خصوصاً في ظل الجمود السياسي الذي يلف صفقات الأسلحة الأميركية للقاهرة بسبب شروط حقوق الإنسان.
ف المقابل الهند تشعر بالذعر، والأسباب واضحة. فالقائمون على الملف الدفاعي في تل أبيب لم يخفوا قلقهم، ليس من التمرين بحد ذاته، بل من تداعياته على المدى البعيد. فإسرائيل التي تفرض سيطرتها النوعية في المنطقة، ترى في التقارب المصري-الصيني تهديداً محتملاً، خاصة أن الصين لا تفرض على مصر القيود التي تضعها واشنطن على أنظمة F-35 أو الذخائر الدقيقة. وفي المقابل، تراقب الولايات المتحدة وفرنسا هذا المشهد بتحفظ، لكن مسؤولين سابقين في الخارجية المصرية أكدوا أن القاهرة لا ترى في التعاون مع بكين خياراً بديلاً عن الغرب، بل إضافة استراتيجية تمنحها أوراق ضغط إضافية، في حين أن فرنسا، التي تربطها بمصر علاقات تسليحية ضخمة تشمل الرافال والفرقاطات، لم تعترض رسمياً على ظهور طائرتها في أحضان “التنين” الصيني، خاصة أن ذلك يعكس قيمة الرافال كطائرة تحظى باهتمام القوى الكبرى.
إذا كان السؤال الأهم اليوم هو “هل للمناورات لها ما بعدها؟” فإن الإجابة تبدو حاسمة وبقوة. فالسيناريوهات المرجحة تشير إلى أن هذه النسخة من “نسور الحضارة” ليست سوى بداية لموجة جديدة من التمارين المشتركة، ربما نشهد في نسخ قادمة مشاركة طائرات صينية من الجيل الخامس J-20، أو تطوير التعاون ليشمل أنظمة دفاع جوي متكاملة ومناورات برمائية. والأكثر إثارة، أن نجاح J-16 أو J-10C في إبهار القادة المصريين خلال هذه التدريبات، قد يدفع القاهرة إلى التوجه نحو عقود شراء فعلية، خاصة في ظل القيود الخانقة التي تفرضها واشنطن على صفقات الأسلحة المتطورة. بكين من جانبها لا تخفي طموحاتها لتوسيع نفوذها الأمني في القارة الأفريقية والشرق الأوسط، ومصر بحكم موقعها الجيوسياسي تمثل البوابة الاستراتيجية لتحقيق هذا الحلم على أرض الواقع.
الموضوع لم ينته هنا، وهذه مجرد البداية. فالصين نجحت في فك شفرة الخصوم عبر بوابة الشرق الأوسط، ومصر أثبتت أنها لن تظل رهينة لصندوق ذخيرة واحد. بكين والقاهرة تدركان أن السماء ليست حداً للطموح، والأيام المقبلة وحدها من سيرسم ملامح التحالف الصامت في سماء المنطقة.
المؤسسة المصرية للدراسات السياسية والإستراتيجية.