رؤي ومقالات

د . أنور ساطع أصفري يكتب :الخبر السياسي : من نقل الحدث إلى صناعة الوعي .

قراءة فلسفية نقدية في تحوّل الخبر من وسيلة للإخبار إلى أداة لتشكيل الإدراك السياسي .

كان الخبر، في بداياته، يبدو فعلاً بسيطاً ومباشراً ، حدثٌ وقع ، وصحفي ينقله إلى جمهور لم يشهده . كانت الوظيفة الظاهرة للخبر هي أن يخبر الإنسان بما يجري خارج حدود تجربته المباشرة .
لكن هذا التصور البسيط لم يعد كافياً لفهم الخبر السياسي في عالمنا المعاصر .
فالخبر السياسي لم يعد مجرد نافذة نطل منها على الواقع ، وإنما أصبح في كثير من الأحيان جزءاً من الطريقة التي يتشكل بها الواقع في وعينا . نحن لا نعيش الأحداث السياسية كلها ، ولا نشاهد الحروب والانتخابات والمؤتمرات والأزمات الدولية بأعيننا ، وإنما نعرفها من خلال الكلمات والصور والعناوين والتعليقات التي تصل إلينا عبر وسائل الإعلام والمنصات الرقمية .
ومن هنا تظهر المسافة بين الحدث والخبر عن الحدث .
فالحدث يقع في الواقع ، لكن الخبر يعيد بناءه في اللغة . يختار منه جوانب ، ويترك جوانب أخرى ، يقدم شخصيات ويؤخر أخرى ، يستخدم مصطلحاً بدلاً من مصطلح ، ويضع عنواناً وصورة وسياقاً . وبذلك لا يعود الخبر مجرد مرآة للواقع ، بل يصبح طريقة لرؤية الواقع .
وهنا تبدأ المشكلة الفلسفية .
إذا كان الإنسان لا يعرف العالم السياسي إلا من خلال ما يصل إليه من معلومات ، فمن يحدد هذه المعلومات يمارس بصورة مباشرة أو غير مباشرة ، تأثيراً في الطريقة التي يفهم بها الإنسان العالم .
لم تعد القوة السياسية في عصر الإعلام الحديث مرتبطة فقط بمن يمتلك السلاح أو المال أو المؤسسات ، وإنما أصبحت مرتبطة أيضاً بمن يمتلك القدرة على تحديد الأجندة ، وصناعة الرواية ، وتوجيه الانتباه ، وترتيب الأولويات داخل وعي الجمهور .
ومن هنا يأتي السؤال الجوهري :
متى يتوقف الخبر عن كونه نقلاً للحدث ، ويبدأ في التحول إلى صناعة للوعي ؟ .
هناك فرق فلسفي عميق بين الحقيقة والواقع كما يصل إلينا .
فالواقع السياسي أكثر تعقيداً من أي خبر يمكن أن ينقله الإعلام . قد تقع أزمة سياسية خلال أيام أو أسابيع ، لكن الخبر يختصرها في فقرة أو دقيقة أو عنوان .
وهنا تبدأ عملية الاختيار .
ما الذي يستحق الذكر ؟ .
من هو الفاعل الرئيسي ؟ .
ما السبب الذي ينبغي تقديمه ؟ .
ما النتائج التي ينبغي التركيز عليها ؟ .
وأي تفاصيل يمكن حذفها ؟ .
هذه الاختيارات لا تعني بالضرورة أن الخبر كاذب . فقد يكون الخبر صحيحاً من الناحية الوقائعية ، لكنه لا يمثل كل الحقيقة .
وهنا يمكن التمييز بين :
كذب الخبر ، ونقص الخبر ، وتأطير الخبر .
الكذب هو تقديم معلومة غير صحيحة .
أما النقص فهو تقديم جزء من الحقيقة وإغفال أجزاء أخرى .
أما التأطير فهو وضع الحقيقة داخل سياق لغوي وسياسي يجعل المتلقي ينظر إليها من زاوية معينة .
ولهذا فإن السؤال النقدي لا ينبغي أن يكون دائماً :
هل الخبر صحيح أم كاذب ؟ .
بل ينبغي أن نضيف :
أي جزء من الحقيقة يقدمه ؟ ، وأي جزء يغيب عنه ؟ ، وكيف يريدني أن أفهم الجزء الذي قدمه ؟ .
إن الخبر لا يصنع الحدث، لكنه يستطيع أن يصنع صورته الذهنية .
والإنسان قد يتفاعل مع صورة الحدث أكثر مما يتفاعل مع الحدث نفسه .
في المجتمعات الحديثة ، لا تصل المعلومات إلى الجمهور بطريقة عشوائية .
هناك مؤسسات ووكالات ومحررون ومراسلون ومصادر رسمية ومنصات رقمية وخوارزميات تقوم بعملية انتقاء ضخمة لما سيصل إلى الجمهور .
وهنا تظهر علاقة الخبر بالسلطة .
فالسلطة لا تحتاج دائماً إلى منع المعلومات، يمكنها أحياناً أن تمارس نفوذها من خلال إغراق الفضاء العام بالمعلومات واختيار المعلومات الأكثر حضوراً .
وفي السياسة ، قد تكون المعركة حول الحقيقة معركة حول :
من يحدد الموضوع ؟.
وليس فقط :
من يحدد الإجابة ؟ .
إذا جعل الإعلام قضية معينة في صدارة اهتمام الجمهور ، فقد نجح في تحديد ما يفكر فيه الناس ، حتى لو لم يحدد لهم بالضرورة ماذا يفكرون .
وهكذا يصبح الانتباه نفسه مورداً سياسياً .
فالخبر الذي يحتل العنوان الرئيسي ويستمر في التداول طوال اليوم يكتسب وزناً سياسياً يفوق أحياناً أخباراً أخرى قد تكون أكثر أهمية من الناحية الموضوعية .
ومن هنا فإن امتلاك وسائل إنتاج الخبر وتوزيعه يمنح صاحبه نوعاً من القوة الرمزية .
إنه لا يملك الحقيقة بالمعنى المطلق ، لكنه يستطيع التأثير في أي حقيقة تصبح مرئية للجمهور .
الخبر مكتوب باللغة ، واللغة ليست محايدة دائماً .
الكلمة التي نصف بها الحدث قد تغير الطريقة التي نفهم بها الحدث .
هناك فرق بين أن نصف مجموعة بأنها :
مقاتلون ، أو مقاومون ، أو متمردون ، أو مسلحون ، أو إرهابيون .
وقد يكون الحدث واحداً، لكن الإطار الأخلاقي والسياسي الذي يحيط به يتغير جذرياً .
وهنا لا تصبح المعركة فقط على الوقائع، وإنما على الأسماء التي نطلقها على الوقائع .
العنوان نفسه قد يكون أكثر تأثيراً من متن الخبر .
فالعنوان هو أول ما يصل إلى المتلقي ، وقد يصنع الانطباع الذي يقرأ المتلقي الخبر لاحقاً من خلاله .
وقد يتحول الخبر إلى عملية لغوية تقوم على :
الاختيار ، والتأكيد ، والتكرار ، والمقارنة ، والحذف .
وبذلك تصبح اللغة شريكاً في صناعة الواقع السياسي داخل الوعي .
فحين نكرر وصفاً معيناً لشخصية سياسية ، أو دولة ، أو جماعة ، فإننا لا نكرر الكلمات فقط ، بل نكرر الصورة الذهنية المرتبطة بها .
ومن هنا يمكن أن نقول :
من يملك قاموس السياسة يستطيع أن يؤثر في تفسير السياسة .
ربما تكون أخطر أسئلة القراءة السياسية للخبر هي تلك التي تتعلق بما لا يقوله .
فالصمت الإعلامي ليس دائماً مجرد غياب للمعلومة .
قد يغيب حدث لأنه غير مهم ، وقد يغيب لأنه لم تتوافر معلومات عنه ، وقد يغيب لأن المؤسسة الإعلامية لم تعتبره أولوية ، وقد يغيب لأسباب سياسية أو تحريرية .
ولهذا فإن القارئ النقدي لا يكتفي بسؤاله :
ماذا قال الخبر ؟ .
بل يسأل :
ماذا لم يقل ؟ .
من الذي لم يظهر في الرواية ؟ .
أي خلفية تاريخية لم تُذكر ؟ .
أي سبب للحدث لم تتم مناقشته ؟ .
ما البديل الذي لم يُعرض ؟ .
ومن الذي حصل على حق الكلام ، ومن الذي حُرم منه ؟ .
وهكذا يصبح الغياب نفسه موضوعاً للتحليل .
فالخبر قد يكون مليئاً بالمعلومات ، ومع ذلك يظل ناقصاً من الناحية المعرفية .
وقد تكون المشكلة ليست في المعلومة الموجودة ، وإنما في المعلومة التي لا تسمح بنية الخبر بظهورها .
وهنا يتحول الصمت إلى شكل من أشكال صناعة الوعي .
لا يعيش الخبر السياسي خارج الزمن ، إن توقيت نشر الخبر قد يغير أثره السياسي بصورة كبيرة .
خبر يُنشر في وقت عادي قد لا يثير اهتماماً كبيراً ، بينما الخبر نفسه إذا ظهر قبل انتخابات ، أو أثناء أزمة اقتصادية ، أو قبيل اجتماع دولي ، أو في لحظة توتر عسكري ، قد يصبح شديد التأثير .
ولهذا ينبغي أن نسأل :
لماذا الآن ؟ .
وليس فقط :
ماذا حدث؟ .
إن اختيار اللحظة جزء من القوة الإعلامية .
وفي السياسة يمكن للمعلومة أن تتحول إلى أداة ضغط بمجرد وضعها في التوقيت المناسب .
وهنا نقترب من مفهوم أكثر تعقيداً :
” صناعة اللحظة السياسية ” .
فالإعلام لا يكتفي أحياناً بوصف اللحظة ، وإنما يساهم في تكثيفها، وتوجيه الانتباه إليها ، ومنحها معنى معيناً .
وقد تتحول الأخبار المتتابعة إلى حالة نفسية عامة ، مثل :
قلق ، خوف ، غضب ، تفاؤل ، انتظار ، أو شعور بالأزمة .
وهكذا لا يعود الخبر مجرد معلومة عن الواقع ، بل يصبح عاملاً في المناخ النفسي والسياسي للمجتمع .
كيف تتحول المعلومة الفردية إلى وعي جماعي ؟ .
إنها لا تتحول في لحظة واحدة ، لكنها تتشكل عبر التكرار ، والتراكم ، والصورة ، واللغة ، والنقاش ، وإعادة النشر .
قد يقرأ الإنسان خبراً مرة واحدة فلا يتأثر به كثيراً .
لكن عندما يرى الخبر نفسه في عشرات القنوات ، ويسمع تفسيراته المتعددة ، ويراه على وسائل التواصل ، ثم يسمعه من أصدقائه ، يبدأ الخبر في اكتساب قوة تتجاوز محتواه الأصلي .
هنا تظهر قوة التكرار .
ما يتكرر يصبح مألوفاً ، وما يصبح مألوفاً قد يبدو صحيحاً ، وما يبدو صحيحاً قد يتحول إلى قناعة .
وهكذا يمكن أن نرسم سلسلة شديدة الأهمية :
الخبر → التكرار → الانطباع → القناعة → الموقف → السلوك.
وهنا يصبح الخبر جزءاً من صناعة الوعي السياسي .
فالوعي الجمعي لا يتشكل فقط من الأفكار الكبرى والفلسفات والمدارس السياسية ، بل يتشكل أيضاً من الجرعات اليومية الصغيرة من المعلومات والصور والانطباعات .
ومن هنا فإن السيطرة على الخبر لا تعني السيطرة الكاملة على وعي المجتمع ، لكنها تمنح القدرة على التأثير في البيئة التي يتشكل داخلها ذلك الوعي .
دخلنا اليوم مرحلة جديدة ، في الماضي كان السؤال :
من يكتب الخبر؟
ثم أصبح السؤال :
من يملك المؤسسة التي تنشر الخبر ؟ .
أما اليوم فأصبح السؤال أكثر تعقيداً :
من يقرر أي خبر سأراه أنا تحديداً ؟ .
هنا تدخل الخوارزميات.
المستخدم لا يرى بالضرورة كل الأخبار الموجودة ، وإنما يرى مجموعة مختارة منها وفق أنظمة رقمية تعتمد على الاهتمامات والتفاعل والسلوك السابق ومؤشرات أخرى .
وبذلك لم يعد الإعلام يعمل فقط وفق منطق :
نحن نخبر الجمهور بما حدث .
بل أصبح جزء من النظام يعمل وفق منطق :
نحن نحدد لكل فرد ما يظهر أمامه .
وهنا تتغير طبيعة صناعة الوعي ، لم يعد الجمهور كتلة واحدة .
أصبح لكل شخص فضاؤه المعلوماتي الخاص .
قد يعيش شخصان في المدينة نفسها ، ويشاهدان الحدث السياسي نفسه ، لكنهما يتلقيان روايتين مختلفتين تماماً عنه .
ومن هنا تظهر ظاهرة فقاعات المعلومات وغرف الصدى ، حيث يتعرض الإنسان بصورة متكررة إلى أفكار ومعلومات تتوافق مع ميوله السابقة .
وهكذا قد لا تصبح المشكلة في غياب المعلومات ، وإنما في وفرة المعلومات المنتقاة .
وفي عصر الذكاء الاصطناعي ، يمكن لهذه العملية أن تصبح أكثر تعقيداً ، لأن إنتاج النصوص والصور والمقاطع وتخصيص المحتوى أصبح أسرع وأكثر قدرة على استهداف الجمهور .
وهنا يصل السؤال إلى أقصى درجاته :
إذا كان الإعلام القديم يصنع الخبر للجمهور ، فهل الإعلام الخوارزمي أصبح يصنع لكل فرد «واقعه الإخباري» الخاص ؟ .
لم يعد الخبر السياسي مجرد رسالة تنتقل من الصحفي إلى القارئ .
لقد أصبح جزءاً من شبكة واسعة تتداخل فيها المعلومة واللغة والسلطة والتكنولوجيا والمصلحة والانتباه والوعي .
والحدث السياسي لا ينتهي عندما يقع ، بل إنه يبدأ مرحلة ثانية عندما يتحول إلى خبر .
ثم يبدأ مرحلة ثالثة عندما يتحول الخبر إلى تفسير .
ثم مرحلة رابعة عندما يتحول التفسير إلى قناعة .
ثم قد يتحول أخيراً إلى موقف سياسي وسلوك جماعي .
وهنا تكمن المفارقة الكبرى :
قد لا يكون الإنسان قد عاش الحدث ، لكنه قد يعيش نتائجه النفسية والسياسية بناءً على الطريقة التي أُخبر بها عنه .
لذلك فإن المعركة السياسية الحديثة لا تدور فقط حول :
من يملك الأرض ؟ .
ومن يملك القوة ؟ .
ومن يملك المال ؟ .
بل تدور أيضاً حول سؤال أكثر خفاءً :
من يملك القدرة على تشكيل الرواية التي يرى الناس من خلالها الأرض والقوة والمال والسلطة ؟ .
لقد أصبح الخبر ، في بعض أشكاله ، أكثر من مجرد نقل للحدث .
إنه اختيار لما يستحق أن يُرى ، وطريقة لما ينبغي أن يُفهم ، وترتيب لما ينبغي أن يحظى بالاهتمام .
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يحدث للإنسان ليس أن يُمنع من معرفة الحقيقة فقط ، وإنما أن يعيش في عالم من المعلومات الكثيرة ، ثم يعتقد أن ما يراه هو كل الحقيقة .
ففي الماضي كان التحكم بالوعي يحتاج إلى منع المعلومات .
أما اليوم فقد يكفي أحياناً إغراق الإنسان بالمعلومات ، ثم اختيار المعلومات التي تصل إليه .
وهنا نصل إلى جوهر المسألة :
الخبر لا يصنع الواقع ، لكنه يستطيع أن يصنع الصورة التي نرى بها الواقع .
والصراع على هذه الصورة قد يكون في بعض الأحيان أخطر من الصراع على الحدث نفسه .
فالسلطة الحديثة لا تحتاج دائماً إلى أن تقول للإنسان :
« ماذا تفكر؟ » .
يكفي أحياناً أن تحدد له :
« في ماذا تفكر ؟، ومتى تفكر فيه ؟ ، وبأي كلمات تفكر فيه ؟» .
ومن هنا تبدأ صناعة الوعي .
ومن هنا أيضاً تبدأ مسؤولية القارئ .
أن يتحول من مستهلك للخبر إلى قارئ نقدي له ، وأن يسأل دائماً :
من قال؟.
ماذا قال؟.
لماذا قال؟.
لماذا الآن؟.
ماذا غاب عن الخبر؟.
ومن المستفيد من هذه الرواية؟.
وعندما يصبح الإنسان قادراً على طرح هذه الأسئلة ، فإن الخبر يستعيد وظيفته المعرفية الأولى :
أن يساعد الإنسان على فهم العالم ، لا أن يحدد له العالم الذي ينبغي أن يراه .
وهنا يكمن الفارق بين الإعلام الذي ينقل الوعي والإعلام الذي يصنع الوعي .
وبين الاثنين، تقع واحدة من أهم معارك الإنسان المعاصر:
معركة الحق في أن يرى العالم بعين عقله ، لا بعين الرواية التي صُنعت له . عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى