رؤي ومقالات

محمد خالد الحسيني يكتب :البحر الأحمر لا يحتمل الخطأ: حين تمشي الدبلوماسية خلف الصواريخ

في البحر الأحمر، قد يبدأ التصعيد بصاروخ واحد، لكن تداعياته لا تتوقف عند الهدف، قد تُصاب سفينة، فتتغير حسابات الملاحة، وقد تُسقَط مسيّرة، فتتحرك قوات، وقد يُستهدف ميناء، فتدخل عواصم بأكملها على خط النار.

في البحر الأحمر، لا تملك الصواريخ ترف الخطأ، فصاروخ واحد قد لا يصيب هدفه، لكنه قد يصيب حسابات دول بأكملها، ومسيّرة واحدة قد لا تغيّر نتيجة معركة، لكنها قادرة على تغيير مسار الملاحة والتأمين والأسواق، وربما دفع قوة إقليمية أو دولية إلى إعادة حساباتها.

وهنا تكمن أخطر مفارقات المشهد اليمني الراهن: النار والدبلوماسية تتحركان في الوقت نفسه، لكنهما لا تسيران بالسرعة ذاتها، فكلما ارتفع منسوب التصعيد في البحر الأحمر، تكثفت الاتصالات السياسية والوساطات ومحاولات إعادة ضبط قواعد الاشتباك، وكلما أثبت طرف قدرته على إيلام خصمه أو تهديد مصالحه، دخل أي تفاوض محتمل وهو يحمل ورقة أقوى.

لكن البحر الأحمر لا يمنح الأطراف هامش المناورة نفسه الذي توفره الجبهات البرية، في البر يمكن احتواء قصف أو تجميد جبهة أو تأجيل هجوم، أما في البحر، فإن إصابة سفينة تجارية أو إسقاط طائرة أو استهداف ميناء قد يطلق سلسلة من الردود يصعب معرفة أين تنتهي.

الأخطر أن الأطراف قد لا تريد حرباً شاملة، لكنها قد تقترب منها مع كل ضربة محسوبة، سفينة قد تُصاب، وطائرة استطلاع قد تُسقط، وزورق قد يُفسر على أنه مقدمة لهجوم، وصاروخ قد ينحرف عن مساره، وقد يسقط قتلى.

عندها يصبح الرد ضرورة سياسية، ثم يأتي الرد على الرد، وتبدأ حلقة يصعب كسرها، وهكذا يمكن أن يتحول الردع المحدود إلى تصعيد مفتوح من دون أن يتخذ أي طرف قراراً صريحاً بالحرب.

وهذا ما يجعل البحر الأحمر أخطر من مجرد جبهة إضافية في الحرب اليمنية، فهو بحر دولي، تمر عبره مصالح دول لا علاقة مباشرة لها بالصراع، وتجاوره دول لا تستطيع التعامل مع اضطراب الملاحة باعتباره حدثاً بعيداً، وأي خطأ في باب المندب يمكن أن يتجاوز حدود اليمن خلال ساعات.

وقد يحقق التصعيد مكاسب تكتيكية لبعض الأطراف، لكنه يطرح سؤالاً أكثر قسوة: من يستطيع تحمل كلفة إبقاء البحر الأحمر مضطرباً؟

الحوثيون يستخدمون تهديد الملاحة كورقة ضغط، لأن قيمة السلاح بالنسبة إليهم لا تقاس فقط بما يدمره، وإنما بما يجبر الآخرين على فعله.

كل سفينة تغير مسارها، وكل شركة ترفع تقديرات المخاطر، وكل دولة تعزز وجودها العسكري في البحر الأحمر، تعني أن الجماعة نجحت في تحويل الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود البلاد.

لكن هذه الورقة تحمل خطراً على مستخدمها أيضاً. فكلما تحول الساحل اليمني إلى مصدر دائم لتهديد الملاحة، زادت احتمالات تكثيف الوجود العسكري الدولي واستهداف القدرات التي تسمح بهذا التهديد.

أما الحكومة اليمنية والقوى المناهضة للحوثيين، فإن رفع مستوى الردع قد يمنحها فرصة لإثبات أن احتكار الجماعة لزمام المبادرة العسكرية لم يعد أمراً مسلماً به، لكن الثمن المحتمل هو فتح جبهة أوسع في بلد لا تزال قدرته الاقتصادية والإنسانية على تحمل حرب طويلة محدودة للغاية.

وهكذا يصبح الجميع أمام معادلة قاسية: كل طرف يريد رفع كلفة خصمه، لكن لا أحد يريد دفع كلفة الانفجار الكامل.

في قلب هذه المعادلة يقف باب المندب، الذي لم يعد مجرد مضيق على الخريطة، بل عقدة استراتيجية تربط البحر الأحمر بخليج عدن وتصل طرق التجارة بين آسيا وأوروبا بقناة السويس.

ومن يملك القدرة على تهديد هذا الممر لا يحتاج إلى السيطرة الكاملة عليه حتى يفرض نفسه على الحسابات الدولية.

هنا تتحول الجغرافيا إلى نفوذ، وتتحول الحرب داخل اليمن إلى أزمة ملاحة دولية، ثم تعود أزمة الملاحة لتعيد تشكيل ميزان القوى داخل اليمن. اليمن يؤثر في البحر، والبحر يعيد تشكيل الحرب داخل اليمن.

ولهذا لا تستطيع مصر أن تدير ظهرها لما يجري، فالبحر الأحمر بالنسبة إلى القاهرة امتداد مباشر لأمنها القومي والاقتصادي وصولاً إلى قناة السويس.

وكلما طال اضطراب الملاحة، ارتفعت الكلفة المصرية، لذلك تحتاج القاهرة إلى معادلة دقيقة: حماية مصالحها البحرية والاقتصادية، وتعزيز قدراتها، وتوسيع شراكاتها، من دون الانجرار إلى حرب مفتوحة.

ومن هنا يمكن قراءة التحركات المصرية، بما فيها التعاون العسكري مع الصين، في إطار أوسع من مجرد التدريب أو التسليح، القاهرة لا تبدو في وارد استبدال شريك دولي بآخر، بقدر ما تحاول توسيع هامش خياراتها الاستراتيجية، فامتلاك أكثر من خيار يعني مساحة أكبر للمناورة السياسية.

أما الصين، فمعادلتها تبدأ من التجارة، لا تحتاج بكين إلى السيطرة على باب المندب حتى تهتم به؛ يكفي أن يكون جزءاً من شبكة التجارة التي تربط اقتصادها بالأسواق العالمية.

ولذلك تريد إبقاء البحر الأحمر قابلاً للملاحة وحماية سفنها ومصالحها، من دون تحمل كلفة حرب مفتوحة، ولهذا تبدو الدبلوماسية بالنسبة إليها أداة أكثر جاذبية من التدخل العسكري المباشر.

أما روسيا، فتنظر إلى البحر الأحمر باعتباره جزءاً من مساحة جيوسياسية أوسع تمتد من الشرق الأوسط إلى القرن الأفريقي، ولذلك فإن أي اتصالات مع الأطراف اليمنية، إذا تأكدت، لا ينبغي تفسيرها تلقائياً باعتبارها دعماً عسكرياً.

الأدق هو النظر إلى المشهد باعتباره تقاطع مصالح: الحوثيون يريدون مساحة أكبر للمناورة، وإيران تريد تخفيف الضغوط عن حليفها، وروسيا تبحث عن أوراق نفوذ إضافية، والصين تريد حماية تجارتها، ومصر تريد حماية البحر وقناة السويس، بينما تراقب القوى الغربية وإسرائيل أي تغيير في موازين القوة.

لهذا فإن التصعيد والدبلوماسية ليسا بالضرورة نقيضين، في كثير من الأزمات، تبدأ المفاوضات الجدية عندما يدرك كل طرف أن استمرار القوة لن يمنحه ما يريد مجاناً.

وهنا تظهر وظيفة الردع: إقناع الخصم بأن الحرب ستكون مكلفة إلى درجة تجعله يفضل التفاوض.

الردع، بهذا المعنى، ليس مجرد عقيدة عسكرية، بل استراتيجية تفاوضية، الحكومة اليمنية تريد إثبات أن استهداف مواقعها أو موانئها لن يمر بلا رد، والحوثيون يريدون إثبات أن لديهم القدرة على تهديد البحر ورفع كلفة الضغط عليهم، بينما تريد القوى الدولية منع هذا الردع من التحول إلى حرب مفتوحة.

لكن المشكلة أن السلاح في البحر الأحمر ليس مجرد سلاح؛ إنه رسالة. الهجوم على سفينة رسالة إلى شركات الملاحة والدول التي تحميها، والرد العسكري رسالة إلى منفذ الهجوم، وتشديد الرقابة على المنافذ رسالة إلى شبكات الإمداد، وتطوير المسيّرات والاستهداف الدقيق رسالة بأن احتكار أدوات الحرب عن بعد لم يعد حكراً على طرف واحد.

ومع كثرة الرسائل، يرتفع احتمال إساءة قراءتها، قد يعتقد الحوثيون أن الهجمات تحقق أثراً سياسياً أكبر من كلفتها، فيرفعون سقف الضغط.

وقد يعتقد خصومهم أن الضربات الدقيقة قادرة على احتواء قدراتهم، فيوسعون نطاق الاستهداف.

وقد تزيد القوى الإقليمية انخراطها، بينما تعزز القوى الدولية وجودها العسكري لحماية الملاحة، وعندها يصبح السؤال الحقيقي ليس من يملك الردع، بل من يستطيع إيقاف سلسلة الردود قبل أن تتحول إلى حرب.

والثمن لا يدفعه العسكريون وحدهم. فاليمن لا يملك رفاهية حرب طويلة حول الموانئ والسواحل، أي تضرر للموانئ يعني ضغطاً على التجارة، وأي اضطراب في الطرق يرفع كلفة النقل، وأي تصعيد بحري يزيد مخاطر التأمين، وأي تراجع في النشاط التجاري يضيف عبئاً جديداً إلى اقتصاد هش أصلاً.

وهنا تظهر المفارقة الأقسى: السلاح الذي يستخدمه كل طرف لتوسيع نفوذه قد يتحول في النهاية إلى عامل يضيّق مساحة الحركة أمام الجميع.

في النهاية، لا يدور الصراع فقط حول السفن والموانئ والصواريخ، بل حول من يكتب قواعد البحر: من يحدد ما يمكن استهدافه؟ ومن يقرر متى يبدأ الرد؟ وأين يتوقف التصعيد؟ ومن يضمن ألا يتحول الساحل اليمني إلى منصة دائمة لتهديد الملاحة؟

لهذا فإن أي تسوية يمنية مستقبلية لن تكون مكتملة إذا اقتصرت على خطوط التماس البرية، سيكون عليها أن تتعامل مع أمن الموانئ، وحرية الملاحة، ومكافحة تهريب السلاح، ومستقبل الساحل الغربي، وترتيبات باب المندب، والضمانات التي تمنع تحويل الجغرافيا اليمنية إلى منصة دائمة لتهديد التجارة الدولية.

وهنا تصل المعادلة إلى لحظتها الأكثر حساسية: الصاروخ يريد تغيير السلوك، والرد يريد رفع الكلفة، والردع يريد منع الحرب، والدبلوماسية تريد تحويل هذا الردع إلى اتفاق.

لكن المسافة بين الردع والحرب قد تكون أقصر بكثير من المسافة بين الحرب والسلام.

إذا نجحت الدبلوماسية في استثمار التوازن العسكري، يمكن أن تتحول القوة إلى جسر نحو التفاوض، أما إذا تأخرت، فقد تجد نفسها تطارد الأحداث بدلاً من التحكم فيها.

وهذا هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة: ليس من يطلق صاروخاً أكثر، ولا من يسقط مسيّرة أكثر، ولا من يملك السلاح الأكثر تطوراً، بل من يعرف متى يضرب، ومتى يتوقف، ومتى يحول ما حققه في الميدان إلى مكسب على طاولة التفاوض.

فالخطر في البحر الأحمر ليس أن تبدأ الحرب فقط، بل أن تبدأ من دون أن يقرر أحد بدءها، وقد يكون الفارق بين ضربة محسوبة وحرب مفتوحة مجرد حادثة واحدة.

لذلك يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: هل تستطيع الدبلوماسية أن تسبق الصاروخ هذه المرة، أم ستظل تصل دائماً بعد فوات الأوان؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى