
بل هي لغة الكون الأولى، والنبض الذي يُحيي المادة قبل أن يُحيي الروح.
أقول إن لكل شعب موسيقاه التراثية، فالموسيقى ليست مجرد نغمات تُؤلف بين أوتار، بل هي أرشيف حي يحفظ ذاكرة الشعب، آلامه، أفراحه، صراعاته، وصموده. كما تختلف لهجات الشعوب، تختلف موسيقاها؛ فهي بصمة صوتية لا يمكن تزويرها. أنا أجد أن الطرب الأندلسي يحمل في طياته أندلساً مُغتصبةً وروحاً عربيةً ظلت تُردد شجنها على ضفاف المتوسط، وموسيقى الصحراء تحمل رملاً وسماءً وانفراداً روحياً لا يعرفه إلا من عاش عزلة القافلة. وفي مصر، كانت أم كلثوم لا تُغني فحسب، بل كانت تُصلي جماعةً كل خميس؛ يتوقف الزمن، وتنصهر المآسي اليومية في صوتٍ يصعد بالناس إلى مكانٍ أرقى من سياسةٍ ومن حدودٍ.
أنا أعرف امرأة تسكن بشمال المغرب—وهي أرضٌ عطرةٌ بزهور الريف وحدائق الأندلسيين—وقالت لي إن كلما ابتعدت عن نباتاتها البعض منها يذبل، لكنها تضع لها موسيقى الطرب الأندلسي فتستعيد عافيتها وتتفتح. أنا أرى في قصتها تجلياً لعلاقة عميقة تربط الاهتزاز الصوتي بالحياة النباتية. العلم اليوم يتحدث عن تأثير الموجات الصوتية على النباتات، لكن الفلاحة المغربية عرفت ذلك قبل الأبحاث المخبرية بقلبٍ حيٍّ. الطرب الأندلسي، بمقاماته البياتية والحجازية، يحمل في بنيته شجناً يرتاح إليه كل ما هو حي. فالنغم لا يصل إلى الأذن فقط، بل يصل إلى الخلايا.
والفجر له موسيقاه. الفجر في الموسيقى العربية مقام الصبا، ذلك المقام الحزين الرقيق الذي يبكي ثم يبتسم، كما يفجر الضوء ظلام الليل. والليل له مقاماته، تلك المقامات التي تتناغم مع صمت القمر وحركة النجوم. وحتى الزهور، فإن لها أوقات تتفتح فيها تزامناً مع أنغام الكون الصامتة.