
ليس بوسعه أن يرى خطأً في رأيه، ثم، ولأن المدير لم ينتظر موافقته حين يطرح له موضوعًا ما، مما يجعله يكتفي بإيماءةٍ تشير إلى أنه موافق.
كان مضطربًا نوعًا ما حين خرج من مكتبه، بيد أنه لا يعرف سببًا له، والآن يشعر أن النُعاس يثقل جفنيه وهو يصعد سلّم شقته.
في هذه الليلة دعا صديقًا له، لذلك، كان يتوجب عليه أن يجهز العشاء ويرتب شقته، وغدًا في السابعة صباحًا تقريبًا، طلبه المدير لأمرٍ ما.
نظر إلى الساعة، كانت تشير بأنها الثانية بعد الزوال، لا بُدَّ من أنه بحاجة إلى أخذ قيلولة، فإن أشغاله كثيرة، وبالتالي، عندما ناداه المدير في الأسبوع الماضي، قال له أمرًا بدا له لم يعجبه، هو كان يريد أن يتصرف في أمر مشروعه بنفسه دون أي تدخلٍ آخر، ولكن المدير عارضه قائلًا: “لا بُدَّ أن أشاركك”، لم يستطع سوى القبول، رغم أنه غير راضٍ.
الآن، وفي هذا الوقت، غدا القلق يجتاحه على أمر مشروعه الصغير، والاقتراحات التي ربما سيحصل عليها غدًا من المدير، وكان يرى أنه يتوجب عليه أن يتقبّل كل شيء: الادخار مع المدير، وفتح المشروع باسمه لأن لديه معرفة مع أكثر عدد من أصحاب الثروات، وحتى موعد مباشرة العمل.
استلقى على سريره بثقل، وفي لحظاتٍ قليلة، غفى ولم يخلع بدلته، استغرق في سباتٍ عميق ولم يفِق إلا عندما رنّ هاتفه، المتصل كان صديقه “حنين”، قال له معتذرًا: “لم أستطع القدوم إليك بسبب مرض أبي المسن”، تقبل عذره وأشفق عليه، ولكن في الحقيقة، هو الذي كان يمكن الإشفاق عليه.
في دقائقٍ معدودة طها وجبة العشاء وتناول طعامه بنهم. يبدو أنه جائع، وكذلك لأنه لم يتناول شيئًا طول النهار غير خبزة بجبن.
كان إنسانًا انطوائيًا، يعانق العزلة والوحشة كشقيقتين من رحم الأيام. يقطن وحده منذ أربعة أعوام، بعد أن غادر ابن عمه لأسبابٍ طواها الزمان، يقضي أغلب أوقاته منهمكًا في العمل كما اعتاد، ليعود في الساعة الثانية مساءً إلى المنزل، دون أن يتمعن في تجوال داخل المدينة واهتمام في تضاريسها. قد يتساءل المرء: أليس لديه الروابط العائلية والأصدقاء والجيران؟
لكن الجواب واضح. كان يعيش في منطقته “الجراجيم” مع أسرته، ولكن حرضه ابن عمه فرافقه حتى أتيا إلى هذه المدينة. ليس لديه غير صديقٍ واحد يدعى “حنين” الذي عرفه قبل سنتين. هو محاط بجارين، جارة عجوزٌ ثرثارة اسمها “حاجة خديجة”، تملأ الفراغ بصوتها الجهوري، فإذا لم تجد أحدًا يحادثها؛ تنادي أحفادها وتكلمهم. ورجلٌ نحيل محترم، يعمل كموظف في مقرٍ حكومي على بُعد ثلاثة أميال من هنا، وفد من العاصمة قبل ستة أشهر.
وثمة فتاة وعدها بأن يتزوجها. أنها حفيدة جارته العجوز، هي فتاةٌ مسكينة وخجولة، ذات ثمانية عشر ربيعًا، تربت مع جدتها حين مات أبوها، وتزوجت أمها من رجٌلٍ آخر.
وأحيانًا كانت تمده بطعام من خلال النافذة حين يعود من عمله، وهو الآخر يمدهم بشيء من المال بقدر استطاعته.
* * *
حين قام في الصباح، هيأ نفسه بتأنٍ وذهب إلى المدير كما طلبه بالأمس، صافحه المدير ببشاشة وقدّم له فنجان قهوة، لم يتصرف كهذا التصرف من قبل إطلاقًا، تساءل: لماذا لا يعاملني هكذا منذ قدومه؟
بعد صمت طويل بادره المدير بسؤالٍ غريب:
– هل تفيدك مشاركتي في مشروعك يا النصيري؟
أجاب النصيري قائلًا:
– أعتقد أن الأمر سيان يا سيدي.
سأله فاغر الفاه:
– هل أنت مريض؟
– لا يا سيدي، أنا بأتمّ عافيتي.
– إذًا، يبدو أنك لم تفهم سؤالي.
– فهمت يا سيدي… أقصد أن الأمر يبدو لي سيان، أعني لا يوجد فارق.
قال المدير باقتضاب:
– كلا، لم تستوعب قط.
ولكنه كرّر بأنه قد استوعب قصده؛ فبدأت تتوارى تلك البشاشة عن وجهه وكأنه تلقى نبأً. طلب منه أن ينصرف، لم ينطق ولكنه لوّح بيده دالًا على طلب الانصراف.
خرج النصيري دون أن ينبس بكلمة، لم يفهم لماذا ناداه في هذا الوقت المبكر، والشيء الذي جعله يسأل عن أمرٍ تافه كهذا، وسبب تلاشي ابتسامته بعد جوابه.
تساءل: هل كان ردّي يبدو قاسيًا؟ لماذا لا يسألني عن شيء آخر؟ أنه لم يطل أكثر من عامٍ في منصبه! الله وحده يعلم ما ينويه.
***
بعد يومين، تلقى رسالة من المدير يطلب مجيئه إلى مكتبه، نهض من سريره بصعوبة، وارتدى قميصه بعجز، ثم أخذ دفتره وخرج، كانت الساعة تشير إلى الثانية والنصف مساءً.
وقف أمام باب المكتب وطرق ثلاثة طرقات.
كان يدرك حق الإدراك بأنّ هذا الطلب ليس إلا لأجل موضوع عظيم. أخذ يفكّر عما إذا كان قد فعل شيء يبدو غير طبيعي، أو ينفي القيم، أو إذا أساء إلى أحد.
صدر البابُ صريرًا فأشبه بانكسار حطب لين، ظهر المدير قبالته ببدلة أنيقة، نظرا بعضهما بصمت، لكن وجه المدير كان يفضح امتعاضه أو صراحته أو أشياء أخرى لم يبُح به.
تقدم المدير إلى الداخل دون أن يتكلم فتابعه، تاركين الباب وراءهما مواربًا.
لا بدّ أنه يعرف المكان جيدًا، لقد حدث أن جاء هنا من قبل في بدايات توظيفه.
مكتبٌ واسعٌ، معظمه مجرد مساحة خالية، في إحدى زواياه طاولة خشبية عريضة، وعليها جهاز كمبيوتر وكتب نضيدة بنظام وأشياء أخرى.
كان المدير يتمعن النظر إليه مزدريًا، بعينين مليئتين باشمئزازٍ دفين، طفق يتفحص في هذه الهيئة الرثة، يبدو أنّ شفتيه الغليظتين، ستنطقان بكلماتٍ عميقة طالما ناداه، فبالتأكيد يريد أن يحدِّثه عن أمرٍ في غاية الأهمية.
والنصيري لا يزال مسمرًا أمامه، وفي يده دفترٌ صغير بغلافٍ أزرق سميك.
أمره بالجلوس، فامتثل مستندًا على الكرسي المقابل، وجلس هو على الكرسي المستدير متجهًا نحو النصيري.
بدأ المدير بالكلام، غير أنه كان مشغولًا بتفتيش شيءٍ ما تحت الطاولة. سأله دون أن يرفع رأسه:
– أتدري لماذا أنت هنا؟
أجاب النصيري مشبكًا يديه فوق الطاولة:
– لا أدري يا سيدي.
حلّ صمتٌ ثقيل لبرهة.
كانت أشعة ظهيرة يوليو تتسلل من النافذة، وتضرب صدغ المدير، مما دفعه ليأمر النصيري بإغلاقها، ما إن أغلق اللوح الزجاجي حتى ارتفعت الحرارة وانتشرت في الغرفة كوباء.
بدأت حبات العرق تتصبب على جبين النصيري…
أخرجَ المدير سِجِلات كثيرة من الدرج وسحب منها سِجِل أسود عتيق، ثم أعاد البقية إلى مكانها.
فتحَ ورقةً تلو الأخرى وحين وصل إلى منتصف الأوراق، رفع رأسه وقال: تعَلم ما فعل ابن عمك قبل أربعِ سنين، إذ أننا وجدنا أخيرًا خسارات فادحة لم ننتبه إليها من قبل، لذلك نريد أن نعرف أين هو الآن، وإذا لم تخبرنا؛ قد تكون معه أنت أيضًا.
ثم أضاف بسؤال: هل تعرف مكانه؟
أجاب باقتضاب: لا، لم أعرف مكانه.
– لا تريد أن تخبرني إذًا.
– أقسم أنني لا أعرف أين هو يا سيدي، إنه هرب دون أن يراه أحد.
صمتا قليلًا، وبعد برهة أمرَ النصيري بالانصراف.
أما هو فظلَ يرتِّب سِجِلاته بهدوء، ثم بدأ يكتب تقريرًا ما، يبدو الأمر قد تدحرج نحو الاكتراث.
***
في صباح اليوم التالي، استيقظ بصوت بابه وهو يُطرَق، كان الصوت مزعجًا قليلًا، مما جعله يفيق بذهول. وعلى عجلةٍ ارتدى قميصه ثم ركض باتجاه الباب.
عندما فتحه؛ وجد أن الطارق مجموعة من رجال الشرطة، لم يسألوه عن شيء، بل مدَّوا له ورقة مكتوبة وفيها إمضاء المدير في نهايتها.
كانت الكتابةُ كالتالي: «الاسم عبد الناصر عادل، مُتَّهَم بكتمان أسرار ابن عمه المجرم، الذي أفلس الشركة بالغش والسرقة.
نطالب بحق الشركة، أن يُحبس ولن يُطلق سراحه، إلا إذا صرح كل ما يخفيه.»
أتمَّ قرائتها وأعادها للشرطي، بعدها كبلوا يديه بالأغلال واقتادوه إلى الحبس، لم يعترض، لكن وجهه كان شاحبًا، إذ إنه لم يغسِّله ولم ينظِّف أسنانه قط، لا شك أنه مُنِع من ذلك، قوانينهم صارمة كما لو أنها لكائن غير بشري.
قضى أسبوعين كاملين في زنزانةٍ انفرادية، كانت ضيقة لا تتسع أكثر من موضع وقوفه، لذلك يبقى عادةً في السرير، وأحيانًا يقف خلف القضبان، ممسكًا بحديده ويرنو إلى الخارج، كأنه ينتظر شخصًا تأخر قدومه، وبالفعل، جاء هذه المرة رجل متوسط القامة، يرتدي معطف عمل متسخ، لحيته كثيفة كشعره، يحمل في يده طبقًا فيه أزر.
وقفَ بالقرب منه ثم قدم له الطبق واستدار عائدًا دون أن ينبس بكلمة، أما صاحبنا، تسمّر في مكانه ينظر إليه، يقول في نفسه: «كم يبدو حرًا هذا الرجل!»
ثم عاد وجلس على السرير وهو يقول: «إن السجن ما هو إلا حرمانٌ من الحرية، لا كما توقعت بأنه ينتهي بالعقوبة والجلد بالسيطان. نهاره طويل، لا ينتهي، كأن الأرض تتوقف للحظات ثم تبدأ بدورانها. لا شكّ أنني سأُحكَم وتظهر براءتي علنًا، حينها سأرفع رأسي أمام القضاة والشهود، وأقول لهم أن والديّ لم يربّياني على الخيانة والسرقة.
ولكن هل سأذهب بهذه الهيئة!
ثيابي رثّة وفيها حشرات صغيرة لا أعرفها، تأكلني فأحُكّ جلدي طول اليوم، أما في الليل حين أنام، فلا أشعر أن شيئًا ينهشني. صديقي حين يراني سيشفق على حالي، إنه ودودٌ للغاية، إنّ “حنين” لطيفٌ جدًا، ولكن أين هو حتى الآن، إذ أنه لم يأتِ، ربما سيأتي في أيامٍ مقبلة، فبالتأكيد هو يشتاق لي كما أشتاق له.»
لم يكن يملك زوارًا غير تلك الفتاة التي تدعى “ذكية”، التي هي حفيدة جارته العجوز “الحاجة خديجة”، والتي كانت تناديه عادة بـ”عمو” بدل “النصيري”، لأن أحفادها ينادونه بهذا الاسم في كثير من الأحيان.
كانت زيارتها الأولى بعد عشرين يومًا من حبس النصيري، لأنهم لم يعرفوا في أي سجنٍ هو، وكان السجَّانون قد أنكروا وجود سجين في مساجنهم، وبعد إلحاح طويل مع المدير، أخبرهم موقعه.
حين زارت أول مرة، كانت منكسرة، شاحبة الوجه، ذات شفتين عجفاوين، وعينان متعبتان ذابلتان، تحدق إلى النصيري بخجلٍ واضح، تحمل في يدها دثارًا ناعمًا وثوب، وفي يدها الأخرى طبق من الطعام.
تبادلا أطراف الحديث، وحين أُعلن بانتهاء الوقت، غادرت.
***
هكذا مضى وقت طويل دون أن يُحاكم، ثلاث سنوات وهو خلف هذه القضبان، والمديرُ لم يأتٍ إلا مرةً واحدةً، وكان قبل سنتين. كان هدفه أن يجعل النصيري يعترف، لكنه لم يعترف فغضب ورحل، أما النصيري فقد انتهى به المطاف في سجنٍ شبه أبدي. كان لا يرى الشمس إلا لحظاتٍ قليلة، حين تكاد أن تؤفل بلون غروبها المزركش، يراها من ناحية الباب. أما القمر والنجوم، فرؤيتها كحلمٍ بعيد يكسوه الملل، ربما ذلك ضربٌ من الخيال الجميل.
كانت الأوضاع في الخارج انقلبت رأسًا على عقب، إذ توفيت جدة ذكية في صبيحة الأربعاء “بسرطان الرئة”، تاركة وراءها ذكية وإخوانها الصغار، وكانت تقول “عمو” أثناء موتها.
تعسرت حالة ذكية وتعاقبت الهموم عليها، دائمة قلق، لا تعرف من أين تجلب قوت يومها لتُطعم إخونها الصغار. ولقد كانت حاجة خديجة أوصتها بأن تتزوج من النصيري، إذ تشبثت بهذه الوصية كما أرادت جدتها لها.
كانت في غاية من الكآبة حين استيقظت في أحد صباحات. ارتدت فستانها الوردي البسيط، ثم أمرت إخوانها بأن لا يخرجوا من المنزل -بثيابهم البالية والرثّة- حتى تعود.
ذهبتْ إلى الشركة وأرادت مقابلة المدير، وبعد انتظارٍ طويل، جاء المدير. هرعت إليه وجثت أمامه وأجهشت بالبكاء، توسلت إليه أن يطلق سراح النصيري، وأخبرته بوصية جدتها.
وجهها كان شاحبًا، ومقلتاها صارتا حمراوين وتتساقط منهما دمعات غزيرة، لكن المدير لم يشفق عليها كعادته، بل أمر عاملين كانا بقربهما أن يُخرجاها إلى الخارج.
هكذا كانت نهايتها.
***
في سريره المكفهر، تقرفص النصيري وغدا يفكّر في حياته كيف ينهيها؟ فالحياة واحدة، إذا لم يعِش كما يريدها، فتنتهي به بفقدان كل شيء، نعم بالتأكيد، حتى القدرة على التفكير.
فكّر في عائلته، وفكّر في عمله ومشروعه، وفي حنين صديقه الذي لم يرَه منذ حبسه، وأخيرًا في ذكية التي كانت تسبقها شفقتها قبل الوقوف أمامه.
وفي أحد المساءات الكئيبة، جاء المدير يسأله ما إذا أذعن أم ما زال يتصرّف بطريقته السابقة. سأله دون كلامٍ مسبق: “هل قررت أن تخبرني أين هو أم لا تزال تتنكر بأنك لا تمتُّ أمره بصلة؟
أجاب بنبرة فيها شيء من الأسى: “لا أنكر ولكنني لا أعرف مكانه كما قلت”
قال: “بسبب عنادك، سحبنا مالك في الشركة وتم إقالتك من العمل، ومنزلك أيضًا صار لغيرك، والآن ليس بوسعك الإقامة في مكان قريب من هنا، لذلك سنخرجك وترحل فور خروجك. عفونا عنك الكثير بسبب تلك الفتاة المسكينة، لأنها جثت وبكت أمامي وفضحتني، هيا اخرج.”
فُتح الباب وخرج النصيري بتمهل، كان الجو هادئًا، هواءٌ باردٌ يداعبه لأول مرة بعد ثلاث سنوات. مشى بجسمه النحيل إلى حيث كان يقطن.
وحين وصل إلى بيته، وجده قد صار لونه رمادي داكن، ولكن كان بلونٍ أبيض عندما يقيم فيه، كأن البيت قد ارتدى ثوبًا جديدًا. بكل تأكيد سكنه أناسٌ آخرون.
لم يتردد في قرع بابه، ما لبث نصف دقيقة حتى خرج طفل في حدود السابعة من عمره.
انحنى إليه قليلًا، ثم سأله: هل أبوك موجود في الداخل يا صبي؟
لم يجِب، لكنه ظل يحدِّق فيه طويلًا، ثم ترك الباب مواربًا وعاد إلى الداخل.
تابعه مناديًا من في البيت. وبعد أن وصل الدهليز سمع استجابة بصوتٍ ضعيف من بعيد، كانت امرأة ثلاثينية بدينة مقبلة من ممرٍ ضيق، ترتدي ثوبًا لازورديًا ناعمًا. ما إن رأت النصيري حتى غطت شعرها المنسدل اللامع بطرحة قرمزية خفيفة.
سألها النصيري: هل استطيع أن أعرف من تكونين؟… أعني متى جئتم؟… أقصد هذا منزلي، لذلك…
لم يكمل جملته الأخيرة.
كان يقف حائرًا بملبسه المهترئ، وبحذائه العتيق.
قالت وكأنها تخاطب صبيًّا، أو مجنونًّا: يبدو أنك تُهتَ، هل أنت عائدٌ من العمل؟ اجلس هنا لكي يجلبوا لك الطعام.
ثم نادت ابنتها وأمرت بجلب طعام، ولكن النصيري رفض أن يأكل، وثم وضَّح بأنه ليس تائهًا أو جائعًا، وقال إنه عائد إلى بيته بعد غيابٍ طويل.
ولكن المرأة قالت أنّ هذا البيت بيتهم منذ زمنٍ بعيد، لم تكتفي بذلك، بل دخلت في إحدى غرف وعادت بأوراق ثبوتية.
حينها أدرك النصيري أنه لا جدوى من أمر المنزل.
سألها عن ذكية وإخوانها.
أجابت: رحلوا بالأمس.
سألها وترقَّبَ الإجابة: إلى أين؟
– لا أعرف.
جلسَ واضعًا كفيّه على وجهه.
أما المرأة، وقفت وحدِّقت النظر فيه، ثم عادت إلى الداخل كأن شيئًا لم يحدث.
خرجَ يمشي بتأرحج، تارة على الرصيف وتارةً أخرى في وسط الطريق. في هذه المدينة الصغيرة، التي تكبر عندما لا تعرف تضاريسها، عندما لا تعرف أحد غير الجيران.
الشمس كادت أن تترك كبد السماء، والطرقات الرئيسة أيضًا تكتظ بالسيارات، والمارون يتحركون ذهابًا ومجيئًا.
لا شيء ثابت، كل شيء له وظيفته، حتى ذرات التربة تتحطم وتصير غبارًا