تقارير وتحقيقات

سر اغتيال “كاتم أسرار” الأسد و”عميد” النووي السوري .. بين اعتراف ‘أولمرت’ وروايات المؤامرة الداخلية

ثلاث رصاصات من البحر أنهت حياة رجل كان يعرف أكثر مما ينبغي.

كتب:هاني الكنيسي
في ليلة الأول من أغسطس 2008، كان العميد محمد سليمان، أحد أقرب رجال الرئيس السوري المخلوع بشار الأسد، يجلس مع ضيوفه على شرفة منزله الصيفي المطل على البحر في منطقة الرمال الذهبية قرب طرطوس. ولم يكن يعلم أن القوة التي تراقبه من الظلام كانت قد وصلت إلى الساحل من البحر، وأن القرار اتُّخذ بالفعل بإنهاء حياته.
بعد 18 عامًا من الصمت “الرسمي”، خرج رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ‘إيهود أولمرت’ ليروي تفاصيل إحدى أكثر العمليات الإسرائيلية “الخاصة” غموضًا داخل سوريا.
“إسرائيل كانت وراء اغتيال سليمان، والعملية نفذتها وحدة الكوماندوز ‘شاييتت 13’ التابعة للسلاح البحري”، هكذا يعترف ‘ أولمرت’ للمرة الأولى -وبعبارة صريحة في مذكراته- بمسؤولية إسرائيل المباشرة عن تصفية الرجل الذي كان يوصف بأنه “الذراع اليمنى” للأسد وأحد أهم حراس أسراره، خصوصا ما يتعلق بالمشروع النووي السوري.
بحسب رواية ‘أولمرت’، تسللت عناصر من “شاييتت 13” إلى الساحل السوري ليلًا، ثم تحرك القناصة حتى أصبحوا على مسافة تقارب 150 مترًا من الشرفة التي كان سليمان يجلس فيها، وسط مجموعة من الأشخاص، ثم قتلوه بثلاث طلقات اخترقت مؤخرة الرأس والعنق، قبل أن تنسحب القوة بالطريقة التي جاءت بها: من البحر، إلى القارب، ثم إلى خارج الساحل السوري، من دون أن تكتشفها السلطات السورية وقت التنفيذ.
لم يكن العميد محمد سليمان مجرد ضابط أمن يعمل في محيط القصر الجمهوري. بل كان واحدًا من أكثر رجال الأسد غموضًا ونفوذًا، يعمل في الملفات التي لا تمر عبر المؤسسات التقليدية للدولة؛ بدءا من الأسلحة الاستراتيجية والمشتريات العسكرية وليس انتهاءً بالعلاقات الحساسة مع إيران وحزب الله والملف النووي السوري. صحيفة “الرأي” الكويتية، أفردت تقريرا موسعا في أغسطس 2008، كشف تفاصيل شخصية نادرة عن سليمان، مشيرة إلى أنه ينحدر من منطقة ‘دريكيش’ الساحلية، وأنه كان متزوجًا من دير الزور وله أربعة أبناء، ووصفته بأنه “رجل الظل” في عهد بشار الأسد، وبأنه كان “مستودع أسرار” الرئيس، لافتةً إلى أنه كان أيضا من أكثر الشخصيات “صداميةً” في مواجهة نفوذ بعض القيادات الأمنية العلوية داخل النظام.
وفي تقرير نشرته صحيفة ‘ذا نيويوركر’، وُصف سليمان بأنه الشخصية السورية التي قادت عملية بناء المفاعل النووي في دير الزور، فيما ربطه مسؤولون إسرائيليون بملفات الأسلحة الكيميائية وشبكات نقل السلاح إلى حزب الله.
وهنا تكتسب عملية اغتياله بعدًا يتجاوز تصفية شخصية أمنية أو عسكرية.
فقبل أقل من عام على مقتله، دمرت إسرائيل في 6 سبتمبر 2007 المنشأة النووية السورية في دير الزور، المعروفة باسم مفاعل “الكُبَر” في عملية ظلت إسرائيل لسنوات تتجنب الاعتراف رسميًا بها.
لكن تقريرا حديثا أصدرته الوكالة الدولية للطاقة الذرية IAEA، عقب زيارة مفتشي الوكالة إلى سوريا في أغسطس المنصرم، أكد أن المنشأة التي دمرتها إسرائيل كانت بالفعل مفاعلًا نوويًا غير معلن، وأن سوريا أخفت الموقع بعد تدميره. كما تحدث التقرير عن منشآت مرتبطة به، وعن اكتشاف موقع آخر يحوي نحو 73 طنًا من اليورانيوم الطبيعي.
بمعنى آخر، الرجل الذي اغتالته إسرائيل في طرطوس لم يكن مرتبطًا بمشروع نووي افتراضي أو بقصة استخباراتية مبالغ فيها.
وتشير رواية نقلتها ‘ذا نيويوركر’ إلى أن أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية راقبت تحركات العميد سليمان قبل اغتياله بشهور عدة، وأن كاميرات سرية نُصبت حول منزله الصيفي في طرطوس.
والحقيقة أن اعتراف ‘أولمرت’ بالدور الإسرائيلي في اغتياله لم يكن الأول من نوعه.
ففي يوليو 2015، نشر موقع ‘ذا إنترسبت’The Intercept وثيقة سرية صادرة عن وكالة الأمن القومي الأمريكية NSA، ضمن الوثائق التي سربها العميل ‘إدوارد سنودن’، حملت وصفًا مباشرًا للعملية ونسبتها بالاسم إلى وحدة “شاييتت 13”. وكانت تلك الوثيقة بمثابة أول دليل استخباراتي أمريكي منشور يربط إسرائيل رسميًا باغتيال مسؤول حكومي سوري بهذا المستوى.
في المقابل، بدت دمشق وكأنها لم تكن تعرف، أو لم تكن تريد أن توجه أصابع الاتهام لقاتل مستشار الرئيس. إذ أعلنت بثينة شعبان المستشارة السياسية والإعلامية للأسد، وفاة سليمان، لكنها اكتفت بوصفه ضابطًا في الجيش السوري، وقالت إن التحقيق في ظروف اغتياله مستمر. ولم تسمح السلطات السورية لوسائل الإعلام بتغطية الحادث بصورة طبيعية. حتى جنازته جرت في أجواء شديدة التحفظ، رغم حضور شخصيات من أعلى هرم السلطة، بينهم ماهر الأسد وآصف شوكت.
ورغم أن السلطات السورية لم تقدم اتهامًا رسميًا مباشرًا لإسرائيل، فقد كشفت برقية دبلوماسية أمريكية سرّبتها ‘ويكيليكس’ لاحقًا، أن الأجهزة السورية اعتبرت إسرائيل المشتبه الأول، بسبب طبيعة الموقع الساحلي في طرطوس وإمكانية وصول قوة عسكرية إليه من البحر.
وفي الوقت ذاته، ظهرت رواية أخرى نشرتها صحيفة ‘الغارديان’ في أغسطس 2008، عرضت احتمال أن يكون الاغتيال “نتيجة صراع داخلي” في النظام السوري. ووفق مصادر على صلة بالنظام، كان سليمان قد دخل في صدام مع صهر الرئيس ‘آصف شوكت’ رئيس شعبة المخابرات العسكرية آنذاك، خصوصًا بعد اغتيال عماد مغنية القيادي في حزب الله، بسيارة مفخخة في أحد أحياء دمشق، في فبراير من العام نفسه (بعد لقاء جمع سليمان مع مغنية وقاسم سليماني)، وهو ما سبب إحراجًا هائلًا للأجهزة الأمنية السورية.
وبحسب الرواية التي نقلتها ‘الغارديان’ آنذاك، كان العميد سليمان جزءا من إعادة ترتيب الأجهزة الأمنية السورية، وارتبط اسمه بإبعاد بعض الضباط النافذين. ما جعله في صدام مع شخصيات أمنية وسياسية، على رأسها شوكت. ولذلك حظي سيناريو “التصفية الداخلية” ببعض المصداقية.
لكن الرواية الأكثر إثارة ظهرت عندما تحدثت الأموال. فبحسب برقية لوزارة الخارجية الأمريكية نشرتها ‘ويكيليكس’، عثرت السلطات السورية على نحو 80 مليون دولار نقدًا في قبو منزل سليمان. ووفق البرقية السرية، أصيب الأسد بصدمة من اكتشاف هذا المبلغ، وبدأت الشبهات تتجه إلى احتمال أن يكون سليمان قد خان النظام أو جمع ثروة لا يعلم الرئيس مصدرها. ونتيجة لذلك، تحولت التحقيقات، بحسب البرقية، من البحث عن قاتله إلى البحث في كيفية حصوله على تلك الأموال.
وهكذا أصبح لدى المحققين السوريين سؤالان بدلًا من سؤال واحد: من قتل محمد سليمان؟ وكيف جمع عشرات الملايين من الدولارات؟
وما بين رواية وأخرى، ففي عالم الاستخبارات، نادرًا ما يكون الرجل الذي يُقتل بسبب سر واحد يحمل سرًا واحدًا فقط. ومحمد سليمان كان يحمل مفاتيح أبواب عدة في آن واحد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى