كتاب وشعراء

جغرافيا المقاصل ••• زكريا شيخ أحمد / سوريا

جغرافيا المقاصل
••••••••••••••••

‎…
أيها التاريخُ

‎يا حَكَمَ المعاركِ المغشوشة

‎يا من كتبتَ قصائدَ المديحِ لكلِّ الغزاة

‎و سكبتَ حبرَكَ المالحَ فوقَ جراحِنا

‎لماذا جعلتَ من بلادِنا ممرّاً للخيول

و من أجسادِ أطفالِنا حطباً لمواقدِ الأمم؟

نحنُ شعبُ الوتدِ و الجبل

‎كلما شيّدنا بيتاً من طين

هدمته طائراتُ العواصم

و كلما غرسنا زيتونةً

اقتَلعتها أظافرُ الحدود.

‎نحملُ أسماءَنا الممنوعةَ

كأحجارٍ سحريةٍ تحتَ اللسان،

‎و نموتُ صامتين

‎ .لئلا تلتهمَ الذئابُ صدى صراخِنا

الإنكليزيُّ رسمَ خطّاً بقلمِ الرصاص

ففصلَ الأخَ عن أخيه

و الفرنسيُّ نفخَ في رمادِ الخرائط

فاستيقظتِ الحدودُ على أجسادِنا

و الجيرانُ… آهٍ من الجيران!

تقاسموا سماءَنا و ماءَنا

‎. و جعلوا لغتَنا الأم تهمةً تُساقُ إلى الزنازين

يسألوننا في الموانئِ البعيدة:

“من أين أنتم؟”

فنُخرجُ لهم خارطةً ممزقة،

لا حدودَ لها إلا الحزن و لا عاصمةَ لها إلا الوجع.

‎نحنُ الذين أرضعتْنا أمهاتُنا من ثديِ الصبر

‎فبرزتْ في صدورِنا

أضراسُ اليأسِ من عدالةِ البشر.

من حلبجة التي نامتْ على رائحةِ التفاحِ السام،

إلى عفرين التي يبكي زيتونُها في ليلِ التهجير،

إلى كوباني التي تحوّلتْ أجسادُ شبابها

إلى متاريسَ في وجهِ الظلام.

التاريخُ ذئبٌ يقفُ على أبوابِنا

و العالمُ يشاهدُ مأساتَنا كفيلمٍ قصير

ثم يصفّقُ لبقاءِ الجلاد!

لكنَّ الجبالَ لا تخونُ قاطنيها…

‎ستبقى جبالُنا أمهاتنا اللواتي لا يَمُتن

‎و سيبقى الطينُ في الخابورِ و قامشلو

يعرفُ خطواتِنا

و إن تبدّلتِ الرايات

و إن تركونا وحيدين…

نحنُ هنا…

نبتنا كالشوكِ في حلقِ الطغاة،

و القيدُ… و إن طالَ ليلُهُ

‎. لا بدَّ أن ينكسرَ تحتَ ثقلِ البقاء

* اللوحة للفنان و النحات عثمان أحمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى