رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :عندما تتعفن الذاكرة

كان دعاء جارتي الخبازة منذ الفجر وهي في الطريق الى فرن الخبز وأنا خلفها:
” ربي إكفنا شر الهافي والمتعافي”. لم تكن الحياة قد أنتجت سلالات الشر الجديدة. كان الشر واضحاً وبسيطاً قبل زمن الايديولوجيات حيث الشر الجديد ليس نقيض الخير فحسب بل نقيض حتى الشر القديم الواضح.
وتتبعها بونة أنة طويلة. فهمت المتعافي المتغطرس المغرور بالمال والجاه والصيت، لكن إستعصى علي فهم الهافي وفي الذهاب الى معاجم اللغة ظهر :
” الهافي، السقطة والزلة والميل الى الهوى، ورجلُ هوفُ جبان لا نفع فيه، أحمق…الخ” وهي تقصد الاخير بلا شك. لكنه بالعامية البايع والمخلّص وهذا عداوته او صداقته خسارة ومغامرة لانك لا تعرف متى ولماذا ينفجر عليك كشاحنة نفايات وتسمع منه لغة انقرضت حتى من حانات الحثالات .
لا تذكر القواميس الذكورية معنى “الهافية” إلا في موضع واحد: الإبل الضالة وبما ان القاموس هو تاريخ وقيم وتقاليد وتراث،
فمن الواضح ان المرأة الهافية لم تكن حاضرة في تلك الأزمنة أو في الأقل
لم تكن بتلك القوة من الحضور.
قلت لها مرة:
” عمة أم شعلان ـــــــــــ قُتل شعلان في حادث سيارة كما قُتل أولاده في سقوط قنبلة بعد الاحتلال ــــــــــــــــ فهمت الهافي والمتعافي لكن شنو الونة بعدها؟”
” لن تفهم ذلك الآن إلا عندما تحترق يوماً ولا تستطيع الكلام”.
كانت ونّة العمة أم شعلان خلاصة خيبات وويلات وعذابات، عرفت بعضها ولم أعرف البعض الآخر وكل هذا المتراكم الذي لا تفصح عنه يظهر على شكل أنين.
من الغريب انها أُمية وعثرت على تلك الفكرة عند دويستوفسكي عن أن الألام طريق الوعي ولكي تنضج يجب ان تحترق كالرغيف: ” «كنتُ أَحترق بينما جئتَ تلومني على رائحة الرماد.»،
أو قول نيتشه «يجب عليك أن ترضى بالاحتراق بلهبك، إذ لا يمكنك أن تتجدد ما لم تشتعل حتى تصبح رمادًا». كيف كنا لا نصغي لهؤلاء البسطاء الحكماء؟
قيل لي وانا هنا إن العمة وهي في فراش الاحتضار صارت تسرد ذلك الماضي الاليم وتبوح بما لم تبح به يوما الذي كان يخرج على شكل أنين طويل ولقد فات الأوان عليها في هذه السرديات المتأخرة. عادة يحدث هذا كثيراً في مواجهة فاجعة أو خيبة أو صدمة نكتشف عمق وقسوة صمتنا وخساراتنا.
هذا ايضاً حدث بحضوري يوم كان جاري على فراش الموت لكنه فجأة صار يروي ما لا يروى من فضائح مسكوت عنها حتى هرب من كان حوله،
كما لو انك امام مجنون شكسبير يروي ما لا يروى ويبدو أننا نستعيد الذاكرة الصافية في لحظة لا نفع فيها عندما تتعفن الذاكرة وتفقد الحقائق قيمتها كثمار متعفنة.
كان زمن العمة أم شعلان زمناً ثنائياً: الخوف فيه من الهافي الخاسر كل شيء
والمتعافي الذي يملك كل شيء، وكان يمكن تحاشي الإثنين،
لكننا في زمن مركب تحول فيه الهافي الحافي الى “متعافي” وبالعكس،
بل تحول هؤلاء الى نظام وسلطة وادارة دولة.
زمن تداخلت فيه القيم والمصالح والمقاييس تداخل أنياب الكلب وتلاشت المعايير العامة وحلت بدلها المعايير الفردية وكل فرد يحلل ويحرم حسب رغباته ومصالحه،
وهي علامة الانهيار الكبرى لأن المعايير العامة من يضبط الايقاع الاجتماعي
ويفرض الحدود الطبيعية والاجتماعية.
نحن في زمن لم يعد فيه الحافي حافياً من الحذاء وكان يمكن علاج ذلك،
لكن أخطر حفاة اليوم هم: حفاة الضمير لأن شخصاً بلا ضمير وحش أطلق في الشوارع بتعبير البير كامو، يفعل كل شيء ويبرر كل شيء ويقنع نفسه
بكل شيء لانه يشبع حاجة او رغبة حيوان مفترس في رحلة صيد بوجه بشري.
لم تعد هذه الثنائية وحدها السائدة بل دخلت أطياف جديدة تتجاوز هؤلاء بكثير ولا أحد ينتظرا أحداً. لا أحد، لا شيء: هذا البلد كغبار يتطاير فوق زجاج السيارات المسرعة. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى