رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :الاقتصاد الموازي وجيب المواطن

كيف تحولت الموازنة المصرية إلى "صناديق مغلقة" وجبايات مفتوحة؟

في المشهد الاقتصادي المصري الراهن، تتبلور سياسة مالية يمكن وصفها بأقسى العبارات النقدية؛ إذ تقوم على معادلة مجحفة طالت البنية الهيكلية للدولة واستنزفت جيب المواطن.
هذه المعادلة قوامها: احتجاز إيرادات الدولة داخل “صناديق وحسابات خاصة” محصنة، وتعويض العجز الناتج عن ذلك عبر ملاحقة المواطن بـ “ضريبة القيمة المضافة” في كل تفاصيل حياته اليومية.
لقد تحول هذا الثنائي في عهد النظام الحالي من مجرد أدوات مالية استثنائية إلى ركائز أساسية لإدارة الدولة، مما خلق واقعاً مشوهاً يلتهم الدخول المحدودة ويهدد مفهوم “العدالة الاجتماعية” في مقتل.
أولاً: مهزلة الصناديق الخاصة..
“تفكيك الدولة وبناء “الموازنات الموازية”
إن الانتشار الواسع للصناديق والحسابات الخاصة، والتي يتجاوز عددها 7,776 حساباً خاصاً و505 صناديق خاصة، بإجمالي موازنات حتى مارس 2022 بلغ 2.25 تريليون جنيه، أي أكثر من الموازنة العامة للدولة وهو ما يمثل ضربة قاضية لمبدأ “وحدة الموازنة” الذي استقرت عليه النظم الاقتصادية الحديثة.
المرونة والسرعة والتحرر من البيروقراطية؛ هي الذرائع الجاهزة دائماً لتبرير منح استثناءات وحصانات كاملة لصناديق عملاقة مثل “صندوق مصر السيادي”، “صندوق تحيا مصر”، وصندوق هيئة قناة السويس المستحدث.
ولكن، عندما نعلم أن الموارد الجارية الإجمالية لهذه الصناديق قفزت لتصل إلى 115 مليار جنيه مصري، تتضح التكلفة الحقيقية لهذه “المرونة”:
1. تفتيت الإيرادات وعجوزات وهمية:
تحولت الوزارات والهيئات الحكومية إلى جزر انعزالية، تحرص على احتجاز الرسوم والغرامات وعوائد الخدمات داخل صناديقها الخاصة بدلاً من توريدها للخزانة العامة.
النتيجة الحتمية هي ظهور عجز ضخم في الموازنة العامة، تدعي الحكومة دائماً أنها تبحث عن موارد لسده، في حين تكتفي وزارة المالية باستهداف قضم 27 مليار جنيه فقط من هذه الصناديق لدعم الموازنة.
2. غياب الشفافية والرقابة الفعالة:
رغم محاولات الجهاز المركزي للمحاسبات، تظل الرقابة على هذه الصناديق “لاحقة” ومقيدة باللوائح الداخلية لكل صندوق. والأخطر هو خروج الصناديق السيادية الكبرى من الرقابة المباشرة المعتادة تحت بند سرية الاستثمار، مما يحرم البرلمان والمجتمع من حق معرفة أين تذهب أموال الدولة.
3. أبواب خلفية لإنفاق ترفي:
في الوقت الذي تطالب فيه الدولة المواطن بالتقشف، تُستغل أموال هذه الصناديق خلف الأبواب المغلقة؛ حيث كشفت الحسابات الختامية أن بنداً واحداً مثل “الأجور وتعويضات العاملين” داخل هذه الصناديق يلتهم ما يتجاوز 20 مليار جنيه سنويًا، مخصصة في كثير من أحيانها لمنح مكافآت وحوافز فلكية لمستشارين وقيادات إدارية، بعيداً عن الحد الأقصى للأجور المطبق في الدولة.
ثانياً: ضريبة القيمة المضافة..
الشراكة الإجبارية في الاستهلاك اليومي
على الجانب الآخر من المعادلة، وعندما تجد الخزانة العامة نفسها محرومة من مليارات الصناديق الخاصة المحصنة، لا تجد السلطة حلاً أسهل من الالتجاء إلى جيب المواطن عبر ضريبة القيمة المضافة.
تُظهر ملامح الموازنة العامة للدولة تزايداً غير مسبوق في الاعتماد على الجباية؛ إذ تستهدف الدولة رفع إجمالي الإيرادات الضريبية إلى نحو 2.6 تريليون جنيه لتشكل وحدها 85% من إجمالي إيرادات الموازنة الكلية.
وفي قلب هذه المقصلة، تأتي ضريبة القيمة المضافة لتقود المشهد بحصيلة مستهدفة قفزت بنسبة 55.3% لتسجل 640.4 مليار جنيه مصري مقارنة بـ 412 مليار جنيه في الأعوام السابقة.
هذا الرقم الضخم يحمل في طياته إدانة واضحة للنظام الضريبي؛ إذ يعني أن الاستهلاك اليومي للمواطنين البؤساء هو الوقود الأول لإيرادات الحكومة.
وتتجلى الآثار الحادة والمدمرة لهذه الضريبة في الآتي:
1. العدالة المقلوبة (الضريبة التنازلية):
القيمة المضافة هي ضريبة عمياء لا تفرق بين الملياردير والفقير؛ كلاهما يدفع الـ 14% نفسها على السلعة. ولأن الفقير يوجه 100% من دخله المحدود للاستهلاك، فإن الحكومة تشاركه عملياً في استهلاك كل قرش يجنيه، بينما ينجو الأغنياء لأن جزءاً كبيراً من دخلهم يذهب للادخار والاستثمار المعفى.
2. تغذية وحش التضخم:
تظهر الأرقام أن الحصيلة الضريبية المستهدفة على البضائع المستوردة وحدها قفزت بنسبة 68.1% لتصل إلى 420.5 مليار جنيه، مما يعني أن أي مواطن يشتري سلعة أو جهازاً كهربائياً محلياً أو مستورداً سيدفع التكلفة مضاعفة، لتتدحرج الضريبة عبر مراحل الإنتاج ككرة الثلج وتلتهم ما تبقى من القوة الشرائية للجنيه المصري.
3. مصر استثناء مالي مرهق:
مقارنة بالدول المشابهة، يُفرض على المواطن المصري نظام معقد يدمج “ضريبة الجدول” مع “القيمة المضافة”، في ظل اقتصاد غير رسمي هارب من المنظومة يتجاوز 50% من حجم السوق، يدفع ثمنه فقط المواطن الملتزم بالشراء من القنوات الرسمية.
الروابط الخفية: المواطن يدفع فاتورة الاستثناءات
الربط بين هذين الملفين يكشف عن حلقة مفرغة من الجباية؛ فالدولة تمنح إعفاءات ضريبية وجمركية شاملة ومستمرة لصناديق مثل “تحيا مصر” والشركات التابعة للصندوق السيادي بدعوى المشروعات القومية. هذه الإعفاءات لكيانات تملك المليارات تعني حرمان الموازنة من تدفقات هائلة، والنتيجة المنطقية هي قيام الحكومة بزيادة حصيلة القيمة المضافة وتشديدها على المواطن العادي لتعويض الفارق.
إن غياب “العائد الملموس” هو الطعنة الأكبر في هذه المنظومة؛ فالمواطن في الدول التي تفرض ضرائب استهلاك مرتفعة يرى في المقابل تعليماً مجانياً ممتازاً، ورعاية صحية شاملة، وشبكة مواصلات متطورة. أما في الحالة المصرية، يرى المواطن أن أمواله المستقطعة تذهب لتمويل فوائد الديون الناتجة عن التوسع في الاقتراض، بينما يضطر لدفع مبالغ إضافية من جيبه للحصول على الحد الأدنى من الخدمات كالتعليم والصحة.
خاتمة
إن السياسة الاقتصادية الحالية لا يمكن أن تستقيم طالما بقيت الصناديق الخاصة “ثقباً أسود” يبتلع موارد الدولة دون حسيب، وطالما ظلت ضريبة القيمة المضافة “سيفاً مصلتاً” على رقاب الطبقات المتوسطة والفقيرة لجلب مئات المليارات سنوياً. إن إصلاح المنظومة المالية في مصر لا يبدأ من ملاحقة الفواتير اليومية للمواطنين، بل يبدأ من إخضاع كافة الصناديق السيادية والخاصة لرقابة البرلمان وتوريد فوائضها بالكامل للخزانة العامة، ليعود مال الشعب.. للشعب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى