رؤي ومقالات

د. أسامة حمدي يكتب:خطاب!

أخيرًا أتى هذا المشروع الكبير بثماره المرجوة! لم يصدق صديقي الحبيب أن خمس سنوات قد مرت على اليوم الذي تلقى فيه هذا الخطاب المنمق على عنوانه في الولايات المتحدة. فحين فتح الخطاب آنذاك أصيب بالدهشة الشديدة؛ فالخطاب يقول باللفظ: السيد الأستاذ الدكتور المهندس محمد الزعيم، برجاء الحضور إلى القاهرة لتسلم ڤيلتكم في مدينة العلماء الجديدة، وبرجاء الاتصال بهذا الرقم لشركة أهلًا لحجز تذكرتكم وحرمكم المصون. حجزت شركة “أهلًا” تذكرتيهما على درجة رجال الأعمال مع أسبوع إقامة كاملة بفندق خمسة نجوم على نيل القاهرة الساحر. في المطار وجد مندوبة من الشركة، ومندوبًا من وزارة الصناعة في انتظاره بقاعة كبار الزوار. في صباح اليوم التالي أخذته المندوبة ليعاين ڤيلته بمدينة العلماء. فوجئ باسمه على لوحة من الرخام في مدخل الڤيلا الأنيقة، ووجد في الانتظار مهندسة الديكور التي بدأت على الفور مناقشة الديكور الداخلي والأثاث مع زوجته. في الصباح كان على موعد مع وزير الصناعة وهو لا يعرف حتى ذلك الحين ما يدور حوله، فهو لم يزر مصر إلا مرات قليلة منذ أن هاجر إلى الولايات المتحدة منذ ثلاثين عامًا.
لقد جمعت وزارة الهجرة النشطة والواعية كل المعلومات عن الدكتور محمد الزعيم، حتى هواياته وراتبه من الجامعة الأمريكية، وكل المشروعات التي قام ويقوم بها، مع حصر لجميع براءات اختراعاته. لم يعرف الدكتور الزعيم سبب الدعوة إلا حينما أخبره وزير الصناعة أنه واحد من ألف خبير مصري عالمي حددتهم -بدقة شديدة- وزارة الهجرة للاستفادة من خبرتهم العملية والعلمية للنهوض بمصر. ما زال صديقي يتذكر حواره يومها مع الوزير الواعي. لقد قال له حينذاك: هذه الڤيلا وجميع ما فيها هدية متواضعة من مصر لعالم الإلكترونيات الكبير الذي شرفنا في الخارج، وإن مصر تنتظر منه الكثير بوصفه ابنًا من أبنائها، ولا تريد تكرار خطئها الجسيم مع المرحوم الدكتور زويل. قال له آنذاك إن مصر تود اقتحام عالم الإلكترونيات لتنافس الدول العملاقة في جنوب شرق آسيا، وإنها وضعت جميع الإمكانات المادية تحت أمره، وخصّصت له راتبًا يماثل ما يحصل عليه الآن في الولايات المتحدة، بل يزيد.
تردد الدكتور الزعيم في البداية؛ فهو لم يعرف عن مصر هذه الجدية والجرأة، والتفكير من خارج الصندوق، ولكن حين اجتمع في اليوم التالي مع ثلاثة من الشباب المثقف غيَّر رأيه تمامًا؛ فالأول شاب في أوائل الثلاثينيات، حاصل على درجة الماجستير في إدارة الأعمال، والثاني خبير صناعي في نفس العمر، والثالث إداري متميز من الدرجة الأولى اختارتهم وزارة الصناعة بمسابقة ومقابلة شخصية، وامتحان نظري وعملي من بين المئات من الشباب المصري الواعد. قالوا له إن لديهم صلاحيات كاملة ومباشرة من الوزير لتحويل أحلامه إلى حقائق في المنطقة الصناعية لمدينة العلماء.
في العام الماضي حصل الدكتور الزعيم على واحدة من أكبر الجوائز العالمية في تطوير بطاريات الليثيوم، فقد ابتكر فريقه البحثي ابتكارًا جديدًا يزيد قدرة البطارية، وسعة شحنها، مع تقليص حجمها بما يفوق أفضل البطاريات في العالم. كان على وشك بيع براءة اختراعه لشركة سامسونج الكورية الجنوبية في الأسبوع نفسه الذي جاءته فيه الدعوة المصرية. بعد تفكير قرر الدكتور الزعيم مساعدة مصر لبناء مصنع للبطاريات الخلوية، وعدم بيع براءة الاختراع للشركة الكورية. وفي الأسبوع نفسه، ذهب مع الشبان الثلاثة للتعاقد مع شركة صينية تملك الخبرة والقدرة على إنشاء مصنع البطاريات في مصر، وبالأسلوب الذي اعتادت القيام به، فهو لا يريد إضاعة الوقت في اختراع العجلة، فكل ما يريده هو تطبيق اختراعه الجديد لتطوير التكنولوجيا المستخدمة حاليًا.
لقد استغلت الدولة بذكاء جزءًا من قرض البنك الدولي لبناء المصنع العملاق الذي تكلف مليارًا ونصف المليار من الدولارات، وتم بالكامل في ٣٠ شهرًا بدون أدنى معوقات. عيَّن الدكتور الزعيم دفعة كاملة من جامعة زويل في مجال الإلكترونيات في المصنع، واشترط في عقد البناء تدريب ١٠٠ مهندس مصري على صناعة الإلكترونيات في المصنع الصيني الأم طوال فترة البناء، على أن تتحمل الحكومة المصرية رواتبهم.
منذ سنتين بدأت بشائر الإنتاج تؤتي ثمارها بعقد وقّعه وزير الصناعة مع شركة LG لاستخدام البطارية المبتكرة في تليفونها الجديد، الذي قد يطيل فترة شحنه لشهر كامل. وفي أقل من عام حصل المصنع على تعاقدات بستة مليارات دولار مع شركة سامسونج لتليفوناتها، وشركة Acer لبطاريات كمبيوتراتها المحمولة، وشركة هيلويت باكارد، وشركة جنرال إليكتريك. ومنذ شهر وقّع الوزير عقدين جديدين بمليارين من الدولارات مع شركة تسلا للسيارات الكهربائية للاستخدام في سيارتها الاقتصادية الصغيرة، وشركة BYD الصينية للسيارات. حصل الدكتور الزعيم على ٢٪؜ من مبيعات الشركة مقابل براءة اختراعه، وهو عشرة أضعاف ما كان سيحصل عليه من بيع براءة اختراعه، وحصل الشُّبان الثلاثة مجتمعين على ٣٪؜ من أرباح الشركة. هذا العام وزّعت الشركة ضعف المرتب السنوي من أرباح الشركة على العشرين ألف عامل من خريجي أقسام الإلكترونيات الذين درّبهم المئة مبعوث العائدين من الصين. وسدّدت أرباح الشركة مبلغ القرض للبنك الدولي، وضخّت في خزانة الدولة ٤،٥ مليار دولار ستتضاعف في العام المقبل إلى ٩ مليارات دولار.
بجوار مصنع الزعيم للإلكترونيات مصنع المهندس للخلايا الضوئية للعالم المصري مصطفى المهندس، القادم من ألمانيا، ومصنع النقيب لمولدات الطاقة للعالم المصري عبد العزيز النقيب، القادم من هولندا. وحتى كتابة هذه الكلمات، أصبح في المنطقة الصناعية لمدينة العلماء ٢٣ مصنعًا، مع مستشفى عالمي يشرف عليه الدكتور عبد المنعم عطية، الأستاذ بجامعة شيكاغو، بدعم غير محدود من وزارة الصحة، ومبنى ضخم للبرمجة يضم الآلاف من شباب مصر البارعين في برمجة الكمبيوتر، تحت إشراف المهندس إبراهيم السقا، وهو من كبار مبرمجي شركة آبل للكمبيوتر، وبدعم غير مسبوق من وزارة الاتصالات.
قال وزير الاسكان النشط إن خطة الدولة بناء ألف ڤيلا جديدة لعلماء مصر في الخارج بمساعدة المهندس نبيل الغندور، الحاصل على أكبر جائزة أوروبية في مجال تخطيط المدن والطرق. لقد قامت وزارة الهجرة بعمل ملف كامل ورائع عن هؤلاء العلماء، وحتى معرفة جميع المُغريات التي قد تجذبهم لبلدهم، وقرر الوزير هذا العام السفر بنفسه لزيارة بعضهم في منازلهم. لقد ذلّل الرئيس ورئيس الوزراء بأنفسهما أي عائق أمام علماء مصر بالخارج في مدينة العلماء، بل قرر الرئيس منذ شهر منحهم أرفع أوسمة الدولة في حفل كبير بشرم الشيخ يحضره شباب الجامعات المصرية ليقتدوا بهم. في الأسبوع الماضي لقّبت صحيفة “الأهرام” وزير الصناعة بلقب “أبو الصناعة الإلكترونية”، وسُمّي أكبر شارع في مدينة العلماء باسمه، ويتقاطع معه شارع آخر عريض يحمل اسم وزير الهجرة النشط. الحمد لله، أخيرًا مصر على الطريق الصحيح بتفكير من خارج الصندوق.
دنا مني صديقي عالم الإلكترونيات وقال: “مالك سرحان ومش معايا؟”.. لديّ خبر عظيم سيدهشك.. لقد وقّعت اليوم عقدًا مع شركة سامسومنج لبيع براءة اختراعي للبطارية التي حدثتك مرارًا عنها!! قلت: “وماذا عن الخطاب اللي جالك من مصر؟”.. قال باستغراب: “خطاب إيه؟”.. “أنت شكلك كنت سرحان ومش معايا خالص”!!!!

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى