محمد خالد الحسيني يكتب :باب المندب يهتز .. هل يتكرر سيناريو هرمز؟ وماذا تعني عودة طارق صالح إلى عدن؟

ماذا لو لم تعد المعركة في اليمن تدور حول المدن، بل حول الممرات التي يمر عبرها العالم؟ سقوط المخا، والتقدم نحو ذوباب وميون، وضع باب المندب أمام أخطر اختبار منذ سنوات.
وبينما تراقب السعودية وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة هذا التحول، تبرز عودة طارق صالح إلى عدن، إن تأكدت، كسؤال آخر لا يقل أهمية: هل بدأت مرحلة جديدة لإعادة ترتيب المعركة، أم أن ميزان القوة في اليمن يتغير بالفعل.
فما حدث في الساحل الغربي نقل الحرب إلى مستوى أكثر خطورة: من صراع على الأرض إلى صراع على الممرات البحرية، ومن معركة يمنية إلى أزمة تتقاطع فيها حسابات السعودية وإيران وإسرائيل والولايات المتحدة.
سقوط المخا، ثم التقدم الحوثي نحو ذوباب وجزيرة ميون، يضع باب المندب في قلب المعادلة العسكرية والسياسية.
وبحسب مصادر حكومية نقلت عنها وكالات دولية، وصل الحوثيون إلى ميون، الجزيرة الواقعة في قلب المضيق، وإلى ذوباب المطلة عليه. وهنا تكمن أهمية التطور.
ميون ليست مجرد جزيرة صغيرة، موقعها يمنح من يتمركز فيها قدرة على مراقبة واحد من أهم الممرات البحرية التي تربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي.
ولذلك فإن وصول الحوثيين إليها، إذا تحول إلى تمركز ثابت، يعني انتقالهم من القدرة على تهديد السفن بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلى الاقتراب جغرافيًا من الطريق الذي تمر عبره التجارة والطاقة بين آسيا وأوروبا.
لم يعد السؤال فقط: هل يستطيع الحوثيون ضرب سفينة؟ بل أصبح: هل أصبحوا قادرين على جعل الملاحة نفسها تأخذ وجودهم في الحسبان؟ وهذا فرق كبير.
فإغلاق باب المندب ليس شرطًا لتغيير المعادلة، يكفي أن يصبح المرور أكثر خطورة، وأن ترتفع كلفة التأمين والنقل، وأن تضطر الشركات والسفن إلى إعادة حساب طرقها.
عندها تتحول الجغرافيا اليمنية إلى ورقة ضغط تتجاوز حدود البلاد، ومن هنا تكتسب المقارنة مع مضيق هرمز أهمية خاصة.
ففي الوقت الذي يواجه فيه العالم اضطرابًا حول هرمز، يقترب الحوثيون من الطرف الآخر لشريان التجارة والطاقة.
وإذا اجتمع الضغط على المضيقين، فإن المنطقة لا تواجه أزمة ممر واحد، بل أزمة مزدوجة يمكن أن تمتد آثارها إلى أسواق النفط والتجارة العالمية.
وهنا تدخل إيران إلى الصورة، فطهران لا تحتاج إلى السيطرة المباشرة على باب المندب حتى تستفيد من هذا التحول.
وجود حليف قوي لها على مقربة من المضيق يمنحها ورقة استراتيجية إضافية في مواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل والسعودية.
لكن اختزال الحوثيين في كونهم مجرد أداة إيرانية سيكون تبسيطًا للمشهد؛ فالجماعة تمتلك حساباتها اليمنية ومشروعها الخاص، حتى وإن كان الدعم الإيراني العسكري والتقني قد عزز قدراتها بصورة واضحة.
أما السعودية، فتجد نفسها أمام معادلة شديدة الصعوبة، الرياض لا تريد العودة إلى حرب يمنية مفتوحة استنزفتها لسنوات، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع اقتراب الحوثيين من باب المندب باعتباره شأنًا يمنيًا داخليًا.
فالمضيق جزء من أمن البحر الأحمر، وأي اضطراب طويل فيه ستكون له تداعيات مباشرة على مصالح السعودية والمنطقة، ومن هنا يمكن فهم الاتصالات والتحركات السعودية والأمريكية الأخيرة، وما نقلته تقارير عن طلب سعودي تدخلًا عسكريًا أمريكيًا مباشرًا ضد الحوثيين، مقابل حذر واشنطن من فتح جبهة جديدة بينما تركز قواتها على إيران ومضيق هرمز.
المعادلة تبدو واضحة: السعودية تريد وقف التدهور، والولايات المتحدة تريد احتواءه من دون التورط في حرب جديدة، وإيران تريد الاحتفاظ بأوراق الضغط، بينما يسعى الحوثيون إلى تحويل مكاسبهم العسكرية إلى واقع سياسي يصعب تجاهله، أما الحكومة اليمنية، فهي أمام الاختبار الأصعب.
لقد أصبح الحديث عن حماية باب المندب قضية أمن قومي وإقليمي ودولي، لكن الخطاب السياسي وحده لا يعيد مدينة سقطت ولا جزيرة خرجت من السيطرة.
وما كشفته معركة الساحل هو المشكلة القديمة نفسها: تعدد القوى ومراكز القرار داخل المعسكر المناهض للحوثيين، ولهذا فإن خسارة المخا ليست مجرد خسارة عسكرية.
فالمخا كانت أحد أهم مراكز القوة التابعة لطارق صالح، وسقوطها يعني أن صيغة إدارة المعركة في الساحل تحتاج إلى مراجعة عاجلة.
والسؤال الحقيقي لم يعد: لماذا خسر طارق المخا؟ بل: لماذا لم يستطع كامل المعسكر المناهض للحوثيين منع هذا الانهيار؟ في هذا السياق تكتسب الأنباء عن وصول طارق صالح إلى عدن أهمية خاصة، مع ضرورة التعامل معها بحذر إلى حين وجود تأكيد رسمي حاسم.
إذا صح وصوله، فإن أهمية الخطوة لا تكمن في انتقاله من مكان إلى آخر، وإنما في ما إذا كانت عدن ستتحول إلى مركز لإعادة تنظيم القرار العسكري والسياسي لقوات الساحل، أم أن الأمر لا يتجاوز إعادة تموضع بعد خسارة المخا.
طارق صالح أمام اختبار مزدوج: عسكري لاستعادة المبادرة، وسياسي لإعادة ترتيب علاقته ببقية مكونات مجلس القيادة والقوى المناهضة للحوثيين.
وعدن بدورها أمام اختبار أكبر. فإذا أصبحت العاصمة المؤقتة مركزًا لتوحيد القرار وإعادة بناء جبهة الساحل والدفاع عن المواقع الاستراتيجية المتبقية، فقد تتحول خسارة المخا إلى نقطة انطلاق لمحاولة استعادة المبادرة.
أما إذا بقيت الانقسامات على حالها، فقد تصبح كل خسارة جديدة أكثر صعوبة في التعويض، ومع ذلك، فإن استعادة ما فُقد ليست مستحيلة.
لكن استعادة المخا أو ميون لا تبدأ بالهجوم فقط، وإنما بإعادة بناء القوة التي ستخوضه، المطلوب قرار موحد، وغرفة عمليات واحدة، وقوة قادرة على العمل برًا وبحرًا وجوًا، ودعم إقليمي لا يقوم على ردود الفعل المتأخرة.
لأن استعادة جزيرة شيء، والاحتفاظ بها شيء آخر، والأخطر أن مرور الوقت يعمل لصالح من يسيطر على الأرض، فإذا تحول الوجود الحوثي في ميون وذوباب إلى وجود مستقر، فإن الجماعة لن تكون قد كسبت مواقع عسكرية فقط، بل ورقة تفاوضية كبيرة.
وقد لا يكون الهدف الحوثي المباشر إغلاق باب المندب، بل إثبات القدرة على التأثير فيه، وهذه ربما تكون أخطر رسالة في المشهد كله.
فمن يملك القدرة على تهديد المضيق يستطيع أن يفاوض من موقع مختلف، وأن يرفع ثمن أي تسوية تتجاهله، وأن يربط الحرب اليمنية بملفات أكبر بكثير من اليمن.
ولهذا فإن ما يحدث الآن ليس مجرد معركة على المخا أو ميون، بل صراع على من يملك مفاتيح جنوب البحر الأحمر.
السعودية تريد منع تحول باب المندب إلى ورقة في يد خصومها، وإيران ترى في المشهد فرصة لتعزيز أوراقها الإقليمية، وإسرائيل تراقب اقتراب الخطر من ممر بحري يرتبط بأمنها، فيما تحاول الولايات المتحدة منع انفجار جبهة جديدة.
وبين هذه الحسابات، تبحث الحكومة اليمنية عن طريقة لاستعادة المبادرة بعدما اختل ميزان القوة بصورة مفاجئة.
وفي وسط كل ذلك يقف اليمن أمام سؤال مصيري: هل يستطيع خصوم الحوثيين تحويل صدمة الساحل إلى لحظة توحيد وإعادة بناء، أم أن الانقسام سيجعل خسارة المخا وميون بداية لخريطة جديدة يصعب تغييرها؟ أما طارق صالح، فإن عودته إلى عدن، إن تأكدت، قد تكون ذات أهمية كبيرة إذا جاءت ضمن مشروع لإعادة ترتيب القوات والقرار، لا إذا كانت مجرد انتقال جغرافي.
فاللحظة لم تعد تحتمل إدارة الحرب بالطريقة القديمة، باب المندب تغير، ومعه تغيرت قيمة المخا، وموقع عدن، وحسابات السعودية وإيران، وأصبح مستقبل الحرب اليمنية مرتبطًا بدرجة أكبر بممر بحري لا يتجاوز عرضه بضعة كيلومترات، لكنه يختصر في داخله صراعًا إقليميًا ودوليًا واسعًا.
المعركة لم تُحسم بعد، لكن المؤكد أن قواعدها تغيّرت، والسؤال من الآن فصاعدًا ليس فقط: من يسيطر على اليمن؟ بل: من يملك القدرة على التحكم بالبوابة التي يدخل منها العالم إلى اليمن والبحر الأحمر؟