
لا أريد أن أقتل أحداً
سوى
ذلك الرجل الذي ربّيته في داخلي ليكون لطيفاً مع العالم
و قاسياً على نفسه ،
ذلك الرجل الذي كان يضع قلبه على حافة الطاولة
ثم يذهب لينام
مطمئناً إلى أن اللصوص سيخجلون من سرقته .
أودُّ أن أكون سفّاحاً
لأنني تعبتُ من توزيع دمي على أكوابٍ لا تعرف كيف تشكر النبيذ ،
الأصدقاء ..
و الإخوة ..
الذين كانوا يعرفون أنني لا أستطيع ردّ يدٍ تمتد إليّ
حين مدّوا أيديهم في كُلِّي و في بعضي
حتى صارت أشلائيَ متحفاً لأظافرهم .
أودُّ أن أكون سفّاحاً ..
كي أقطع هذه الأيدي من ذاكرتي
لا من أجساد أصحابها ،
سأترك لهم أسماءهم
صورهم
ضحكاتهم التي حفظتها أكثر مما ينبغي
و سأستردّ فقط
الجزء الذي تركته عندهم من دون إيصال ،
فلقد كنتُ غبياً جداً
حين خلطتُ بين الحب و التنازل عن الحدود ،
و بين الوفاء و الوقوف طويلاً
أمام أبوابٍ لا تفتح إلا حين تحتاجني .
بلى ..
أودُّ أن أكون سفاحاً ،
فلقد تعبتُ من محاكماتٍ أدخُلها متّهماً ..
و أخرج منها و قد اعتذرتُ للجلاد .
أريد هذه المرة
أن أكون الرجل الذي لا يشرح جرحه
الذي إذا نزف لا يكتب بياناً عن الدم .
أريد أن أصير أكثر غموضاً من بابٍ ينام تحت جدار مهدوم
و أبرد من رمادٍ نسي النار التي أنجبته .
سأحبّ ،
نعم ..
لكنني لن أضع قلبي في فم أحد و أطلب منه ألا يعضّ ،
سأعطي ..
لكنني لن أهب عمري كصدقةٍ على قارعة الطريق ،
و سأغفر ..
لكنني لن أعود إلى المكان نفسه لأتعلم بالطريقة ذاتها .
أحب أن أكون سفّاحاً
لأن في داخلي مقبرةً كاملة لأشخاصٍ لم يموتوا بعد ..
لكنني لم أعد أعرفهم ،
و أشدّ ما أخشاه
ليس أن أصبح قاسياً ..
بل أن أبقى ذلك الرجل القديم
الذي كلما طُعن بحث عن وردة ليضعها على سكين الطاعن .
لذلك ،
سأبدأ من هذه القصيدة ..
سأقتل الشاعر الذي ظلّ يكتب ليبرّر نزيفه
و أترك جثته تحت أسنان الورق ،
ثم أمضي ..
خفيفاً
كمن خرج أخيراً من جسده
بعد إقامةٍ طويلة .