
دفعت المواجهة الحالية في البحر الاحمر بين حكومة عدن ومن خلفها السعودية مع حكومة صنعاء الى طرح عدة سيناريوهات أولية تخص مصر التي يشكل دخلها من ايرادات قناة السويس المصدر الرابع للاقتصاد المصري بعد تحويلات العاملين في الخارج و الصادرات غير النفطية والسياحة)، فقد بلغ دخل القناة قبل نشوب ازمات البحر الاحمر( خاصة بعد طوفان الاقصى ) ما يعادل 8.8 مليار دولار، وهو ما يشتمل على الرسوم على المرور البحري ( وهو دخل لا تتحمل مصر اية تكاليف له كما في السياحة او التصدير السلعي ..الخ)،وهو ما يجعل وزنه في ميزان المدفوعات المصري اكبر.
ذلك يعني ان مصر امام احتمالات عدة (مع احتمالات تطور الازمة):
اولا: من الواضح ان بيان انصار الله بعد سيطرتهم على الجغرافيا البحرية للبحر الاحمر ركز على نقطة مهمة وهو ان السيطرة “لن تؤثر على الملاحة البحرية الدولية باستثناء السعودية”، وفي تقديري ان المعني الاول في هذا هي مصر، دون انكار ان غيرها من الدول المصدرة والمستوردة معني بنسبة او أخرى، لكن مصر هي الهدف المنشود قبل غيرها، لان ايقاع الضرر بهذا المرفق البالغ الاهمية لميزان المدفوعات المصري سيدفع مصر نحو احتمالات عدة احدها التدخل العسكري المباشر، وهو ما يريده انصار الله.
إن التطمين الذي اعلنه انصار الله في بيانهم اضعف الضغط كثيرا الضغط على مصر للتدخل ، لكنه لا يلغيه تماما، نظرا لاحتمالات تطور المواجهة واتساعها بشكل يشل قناة السويس بغض النظر عن القرار في صنعاء، وهو ما سيعيد احتمال التدخل مرة اخرى.
ثانيا: هناك احتمال ان تعمل السعودية على جلب قوى اخرى بالغواية المالية او بنبش مذهبي طائفي او بالاستنجاد بقوى أخرى (عربية او غير عربية) ، مما يدفع لتزايد اللاعبين في معركة السيطرة على البحر ،وهو ما ينتهي الى شل قناة السويس ، مما يضع مصر امام مسارين: امام الانخراط في المواجهة ضد انصار الله (وهو مسار قد يتدخل فيه غربيون بشكل مباشر او غير مباشر ومعهم اسرائيل )، وهو ما يشكل ضاغطا على مصر للتدخل، بل يشكل غطاء للتدخل امام المجتمع المصري الذي تختزن ذاكرته تجربة مرة في اليمن. ان تلكؤ ترامب في الاستجابة “للاستنجاد” قد يخفي رغبة منه ان تتحمل اوزار المواجهة مع انصار الله قوى اخرى عربية او غير عربية ،فلدى ترامب ما هو اخطر حاليا ،واالانتخابات النصفية للكونجرس تعنيه اكثر من “سعادة اليمن”.
ثالثا: ليس من المستبعد ان تجد مصر نفسها امام غوايتين متضادتين: غواية مالية سعودية كبيرة يقابلها غواية اماراتية مدفوعة بالرغبة في تقليص النفوذ السعودي بعد اقتلاع النفوذ الاماراتي من اليمن بمساندة سعودية، وفي حالة عدم الاستجابة المصرية لغوايات التدخل،قد ينتقل السلوك الخليجي نحو غرائزيته من خلال الضغط على العمالة المصرية في الخليج والتي تمثل ما يقارب 11 مليار دولار (وهو ما يساوي 25% من اجمالي تحويلات العاملين المصريين في الخارج والتي تعتبر تحويلاتهم هي المصدر الاول للدخل المصري)، فلو افترضنا ان السعودية بدأت بالضغط على هذا المرفق ولو تدريجيا ،فان من الصعب على مصر التكيف معه ، فان استجابت مصر للضغط السعودي ،فعليها ان تفكر في كيفية تبرير الامر للامارات التي يحول منها المصريون حوالي 8 مليار دولار سنويا..ناهيك عن ان الامارات اصبحت بعد صفقة الحكمة مع مصر ضمن اكبر المستثمرين في مصر والذي قارب 24 مليار دولار لتنتهي الصفقة الاجمالية الى 35 مليار دولار، دون اغفال الآمال الكبيرة المعقودة على مشروع راس الحكمة.
رابعا: في ظل هذه الثنائيات المتضاربة، فان مصر “قد” تجد أن الحل هو :
أ- محاولة السعي الدبلوماسي لحل المشكلة باسرع ما يمكن ،ومن خلال حلول وسطى بين الطرفين السعودي واليمني وبالتنسيق مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي، رغم ما في هذا التصور من ثقوب.
ب- محاولة مصر “التدخل من وراء حجاب” في المعركة من خلال المستشارين العسكريين او التعاون مع اسرائيل والقوى الدولية المتضررة او بمحاولة التدخل العابر او تقديم المعلومات او التعاون الاسخباراتي مع السعودية.
ت- من الممكن ان تستغل مصر حدثا ما في البحر لتقوم بالرد السريع والمؤثر على انصار الله بشكل رادع دون الانخراط الكلي في المواجهة، ولكن ليكون ذلك ” اشارة للسعودية” لكي لا تتخذ اجراءات غير مرغوبة ضد مصر.
الآثار غير المباشرة:
ان الازمة في البحر الاحمر(رغم البيان من انصار الله) قد يرفع مؤشر الخطر كثيرا على السفن التجارية، وهو ما يضعها امام خيارات ثلاثة هي: اما المخاطرة وعبور البحر لاحمر (رغم احتمال وقوع معارك او هجمات مفاجئة) او التحول باتجاه راس الرجاء الصالح مما يفقد مصر قدرا من الدخل يتوازي مع السفن التي ترجح التحول نحو راس الرجاء ، او ان تتوقف بعض الشركات او الجهات الدولية( بخاصة اوروبا في ظل ازمتها مع روسيا في اوكرانيا) عن ارسال سفنها وبضائعها او بعضا منها ،وفي ذلك ايضا خسارة لمصر ولو نسبية.
يبدو ان مصر قد تتجه توجها دبلوماسيا من خلال الوساطة او الجامعة العربية او المشاركة في اجتماع طارئ لمجلس التعاون او حتى تحريك قوى دولية او منظمات اقليمية للاسراع في لجم المواجهة .
لقد سبق وان قلنا ان الامن المصري اصابه عطب استراتيجي نظرا لفهم رسمي ضيق للأمن ، فمصر محاطة بالنيران حولها( ليبيا ممزقة ومتناحرة غربا، والسودان ممزقة ومتناحرا جنوبا، والبحر الاحمر مشتعل غربا، وقطاع غزة شمالا لا يحتاج للوصف)، ناهيك عن بيئة اقليمية ملتهبة وتغلي في مرجل القوى الدولية المختلفة، وهو ما يعني ان مصر في قلب الموقد ،فمن الطبيعي ان يمسها شررها .
إن اغفال مصر “لعبقرية المكان” كما وصفه المفكر المصري الاستراتيجي جمال حمدان لن يثمر الا اذا رعته “عبقرية القيادة” والنظرة المستقبلية غير الواهمة والتي تضعها العقول المصرية المدركة لعمق تعقيدات العالم..فالانكفاء المصري عن مشكلات المنطقة هو “هروب لا حكمة ” حتى لو أحسنا الظن…ربما. عرض أقل