رؤي ومقالات

عبده مغربي يكتب : هل انتهى عهد محمد بن سلمان؟

🔴 «الخناجر أُشهرت.. وانقلاب في القصر قد يكون قريبًا»

في مقال مثير، انتشر على نطاق واسع خلال الساعات الماضية على صفحات وحسابات لمعارضين سعوديين وخليجيين في منصات التواصل الاجتماعي المختلفة،انتقد الباحث والمحلل السياسي الأمريكي مايكل روبن السياسة السعودية في اليمن، وذهب إلى ما هو أبعد من ذلك بكثير، عندما تحدث صراحة عن “إنقلاب في القصر”.
المحلل الأمريكي الذي تحظى كتاباته بتقدير كبير بين القراء وفي دوائر صناعة القرار الأمريكية، وضع مستقبل ولي العهد السعودي نفسه على الطاولة، بعبارات تجاوزت التلميح إلى رسائل سياسية مباشرة وشديدة الخشونة.
بدأ روبن مقاله بسؤال صادم: «هل انتهى عهد ولي العهد السعودي محمد بن سلمان؟»، ثم افتتحه بحكم لا يقل قسوة: «اليمن كان دائمًا مقبرةً للطموحات السعودية»، قبل أن ينهيه بما هو أخطر: حديث عن خناجر أُشهرت، واحتمال انقلاب داخل القصر السعودي.
♦️ ثلاث عبارات تكفي وحدها لتجعل المقال يستحق القراءة.
لكنها لا تكفي لكي نبتلع كل ما جاء فيه.
♦️لماذا نتوقف أمام مقال روبن؟
أهمية المقال لا تأتي فقط من عباراته الصادمة، وإنما من حيثية الرجل نفسه، وحيثية المنصة التي نشرت هذه القنبلة السياسية.
فروبن كاتب أمريكي أمضى سنوات داخل دوائر البحث وصناعة السياسات في واشنطن. وهو يشغل حاليًا منصب مدير تحليل السياسات في «منتدى الشرق الأوسط»، وسبق له العمل مسؤولًا في البنتاغون، كما عمل لنحو عقدين في «معهد أمريكان إنتربرايز»، وله خبرات ميدانية في اليمن والعراق وإيران.
أما «منتدى الشرق الأوسط»، فليس صحيفة تسعى للربح أو صفحة سياسية ترغب في الانتشار على الإنترنت؛ وإنما مؤسسة بحثية أمريكية تأسست عام 1994 على يد دانيال بايبس، وتعلن أن من أهدافها التأثير في صناعة القرارات الأمريكية المتعلقة بالشرق الأوسط.
على أن هذه الحيثية لا تجعل ما يكتبه روبن موقفًا للحكومة الأمريكية، ولا تحول حديثه عن انقلاب محتمل في القصر الملكي السعودي إلى معلومة استخباراتية، لكنها تمنعنا أيضًا من التعامل مع ما كتبه باعتباره منشورًا عابرًا على مواقع التواصل الاجتماعي.
ومن هنا يستحق الرجل أن نقرأه.
وأن نناقشه أيضًا.
♦️ من خالد بن سلطان إلى محمد بن نايف ومحمد بن سلمان
يبني روبن فكرته على تاريخ من الأمراء السعوديين الذين ارتبطت أسماؤهم باليمن، ثم تراجعت مواقعهم السياسية بسببه.
يبدأ روبن تحليله في هذه الجزئية بالأمير خالد بن سلطان، أحد أبرز الوجوه العسكرية السعودية بعد «عاصفة الصحراء» وتحرير الكويت، والذي ارتفعت أسهمه إلى درجة الحديث عنه مستقبلًا في وزارة الدفاع، بل وصل الأمر، بحسب روبن، إلى همسات داخل السعودية عن احتمال أن يصبح ملكًا في المستقبل.
♦️ثم جاءت اليمن.
قاد خالد التدخل السعودي عام 2009، فيما يسميه روبن عملية «الأرض المحروقة»، وانتهت المواجهة بخسائر سعودية وانسحاب يعتبره الكاتب مهينًا. وبعدها تراجع خالد عن دائرة النفوذ، ويستنتج روبن من ذلك أن الملك عبدالله حمّله مسؤولية الفشل مع الجار المقلق.
♦️ثم يأتي محمد بن نايف.
ولي عهد، ووزير داخلية قوي، ورجل كان في قلب الحرب السعودية على الحوثيين، قبل أن يُعفى من ولاية العهد عام 2017 ويحل محمد بن سلمان مكانه.
وهنا يريد روبن أن يزرع فكرته الأولى في رأس القارئ:
اليمن لا يهزم الجيوش فقط.. اليمن، في روايته، يأكل المستقبل السياسي للأمراء أيضًا.
ومن هنا يبدأ إسقاط التاريخ على محمد بن سلمان.
♦️ محمد بن سلمان.. من الحرب إلى التهدئة
يرى روبن أن ولي العهد السعودي، بعدما أدرك تراجع حدود القوة العسكرية وجدوى الاعتماد على الولايات المتحدة، انتقل تدريجيًا من الحرب المفتوحة إلى محاولة بناء تفاهم هادئ مع الحوثيين.
وبحسب قراءته، أصبحت المعادلة: تقلل السعودية ضرباتها داخل اليمن، ويخفف الحوثيون استهداف المملكة ويوجهون نيرانهم إلى ساحات أخرى.
كما يهاجم روبن تأييد الرياض لاتفاق ستوكهولم عام 2018، ويراه تنازلًا تم تغليفه بلافتة خفض التصعيد.
وهنا يقدم روبن قاعدته السياسية: استرضاء الخصم الأيديولوجي لا ينجح.
هذه وجهة نظره.
لكن السياسة ليست معادلة حسابية محكمة المدخلات والنتائج. السياسة عملية مرنة، لا يمكن معها اعتبار كل تفاوض استرضاءً، كما أن الدولة التي تدخل حربًا لا يصبح استمرارها فيها إلى ما لا نهاية دليلًا على قوتها.
أحيانًا تكون معرفة اللحظة التي تتوقف فيها عن إطلاق النار جزءًا من السياسة نفسها.
ومن هنا تبدأ مشكلتي مع نظرية روبن.
♦️ هنا يبدو الحبر إماراتيًا
عندما وصل روبن في تحليله إلى نقاط الصدام السعودي الإماراتي في اليمن، تغيرت نبرة المقال بصورة يصعب تجاهلها.
فالإمارات، في روايته، دربت المجلس الانتقالي الجنوبي، وساعدت على تحقيق الاستقرار، ونجحت في مواجهة «القاعدة»، بينما غرقت السعودية في المستنقع.
ثم يذهب إلى أن محمد بن سلمان قدّم خصومته مع الإمارات على «الاستقرار الاستراتيجي»، ودعم حلفاءه في حزب الإصلاح، وأضعف القوى الجنوبية التي يعتبرها روبن الأقدر على مواجهة الحوثيين.
ويحمّل هذه السياسة مسؤولية انهيار الأمن في الجنوب وعزلة المخا، ثم سيطرة الحوثيين عليها.
📌وهنا لا بد أن نتوقف.
لأن المقال الذي بدأ بتحليل السياسة السعودية، أصبح في أجزاء منه أقرب إلى مرافعة سياسية لصالح الرؤية الإماراتية في اليمن.
والدليل الأقوى يقدمه روبن بنفسه عندما يلخص السياسة السعودية بعبارة شديدة الوضوح:
«الرغبة في فعل عكس ما تفعله أبوظبي».
هذه ليست جملة عابرة في مقال روبن. إنما يمكن اعتبارها المفتاح الذي يكشف الزاوية التي يقرأ منها روبن رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط.
♦️ المخا.. وهنا يصبح الأمر أخطر
يرى روبن أن سيطرة الحوثيين على المخا في 10 سبتمبر تمثل أهم انتصار لهم منذ سنوات، ليس لقيمة المدينة وحدها، وإنما لموقعها على باب المندب.
فمن شأن السيطرة على المخا، وفق تحليل روبن، أن توسع قدرة الحوثيين على زرع الألغام البحرية، وإطلاق المسيّرات قصيرة المدى، وتهديد السفن بصورة أكثر مباشرة، بما يعزز أوراقهم في أي تفاوض على مستقبلهم ومستقبل المنطقة.
ويذهب روبن إلى تشبيه ما قد يمنحه موقع المخا للحوثيين بما يمثله الحرس الثوري الإيراني في تهديد مضيق هرمز.
وروبن مصيب في تقدير خطورة الموقع، وإن كان حجم القدرة العسكرية التي ستترتب على السيطرة عليه يظل خاضعًا للمتغيرات المستقبلية.
وهنا تحديدًا يصبح المقال مهمًا بالنسبة لنا في مصر.
فباب المندب بالنسبة إلى القاهرة ليس شأنًا يمنيًا خالصًا.
باب المندب أحد أهم مرتكزات الأمن القومي المصري والعربي.
إنه الباب الجنوبي لقناة السويس.
وما يحدث هناك ليس لنا في القاهرة أن نتابعه من مقاعد المتفرجين؛ لأنه يدخل مباشرة في حسابات الأمن القومي المصري.
♦️ أرض الصومال.. أين تنتهي أبوظبي وأين تبدأ الدولة؟
يهاجم روبن السعودية أيضًا بسبب موقفها من «أرض الصومال»، ويعتبرها نقطة ارتكاز استراتيجية يمكن استخدامها للمساعدة في إبقاء باب المندب مفتوحًا.
وهذا توظيف أراه في غير محله؛ لأنه يتعامل مع «أرض الصومال» باعتبارها مجرد رأس جسر استراتيجي على باب المندب، متجاهلًا أن القضية تمس وحدة وسيادة دولة الصومال العربية، وأن القاهرة تنظر إلى هذا الملف من زاوية أمن قومي تتجاوز بكثير حسابات الصراع بين الرياض وأبوظبي.
مرة أخرى تبدو الزاوية الإماراتية حاضرة في قراءة المحلل الأمريكي.
فما يراه روبن «رأس جسر» استراتيجيًا، تنظر القاهرة إلى أي مساس بوحدة الصومال وسيادته باعتباره مسألة تمس مصالحها الاستراتيجية في القرن الإفريقي والبحر الأحمر.
وهنا تحديدًا لا تكفي معادلة روبن، أن تكون منطلقًا لإقناع الرياض بالتنازل لصالح رؤية أبوظبي، المشهد والتفاصيل أعقد من ذلك بكثير، وهي ليست بهذا القدر من السطحية.
فالدول لا تتخذ مواقفها لأن أبوظبي ذهبت يمينًا، فتذهب الرياض يسارًا.
الدول تتحرك خلف مصالحها.
قد تخطئ الرياض.
وقد تصيب أبوظبي.
وقد يحدث العكس.
لكن السؤال الصحيح ليس: من خالف مَن؟
السؤال: أي مصلحة تحاول كل دولة حمايتها؟
♦️ والسودان أيضًا
يمد روبن خط تحليله إلى السودان، فينتقد دعم السعودية لقائد الجيش السوداني الفريق عبدالفتاح البرهان، ثم يذهب إلى ادعاء بالغ الخطورة بأن البرهان سمح للحوثيين بالعمل من بورتسودان، بما قد يهدد المصالح السعودية وتدفقات النفط على ساحل البحر الأحمر.
وهنا يجب الفصل بوضوح بين معلومة مثبتة وادعاء بالغ الخطورة لا يقدم روبن في مقالته دليلًا عليه.
روبن يقول ذلك.
لكن قوله وحده لا يحوله إلى حقيقة نهائية.
وتلك قاعدة صحفية لا ينبغي أن تسقط منا، مهما كان العنوان مثيرًا.
♦️ عندما أخرج روبن الخناجر
يحتفظ الرجل بأقسى عباراته للنهاية.
فهو يحمّل محمد بن سلمان المسؤولية الشخصية عن خيارات اليمن، ويستخدم أوصافًا بالغة القسوة في الحكم على قراراته، ثم يقول إن ولي العهد قد يصبح ملكًا بعد وفاة والده، لكنه يعتبر أن سجله في اليمن أضر بشرعيته.
وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال: عن أي شرعية يتحدث روبن تحديدًا؟
شرعية الحكم؟ أم شرعية ولاية العهد؟ أم القبول داخل الأسرة الحاكمة؟ أم الشعبية داخل المجتمع السعودي؟ أم شرعيته أمام العالم؟!
فإطلاق كلمة «الشرعية» بهذه الصورة، دون تحديد معيارها، يجعلها رسالة مبطنة ربما أكثر من كونها عبارة يصعب فهمها في سياق المقال.
ثم ينتقل روبن من التحليل إلى نبوءة سياسية بالغة الخطورة:
«الخناجر أُشهرت.. وانقلاب في القصر قد يكون قريبًا».
وهنا، بالنسبة لي، لم يعد السؤال فقط: ماذا كتب مايكل روبن؟
السؤال الأهم:
لماذا يكتب مايكل روبن هذا الكلام الآن؟
ومن يخاطب بهذه الرسالة؟
وعلى أي معلومات بنى استنتاجًا بحجم الحديث عن انقلاب محتمل داخل قصر الحكم السعودي؟
فالتنبؤ بانقلاب لا يمكن التعامل معه باعتباره تحليلًا عابرًا يمكن إطلاقه ثم المرور منه إلى الفقرة التالية.
إما أن الرجل يملك مؤشرات أو معلومات لم يرد كشفها، وإما أننا أمام قفزة سياسية ضخمة بين الوقائع التي عرضها والنتيجة التي يريد الوصول إليها، أو خيار ثالث؛ يريد إطلاق تحذير مبطن.
♦️ محمد بن سلمان في القاهرة
وهنا يصبح التوقيت أكثر إثارة.
فبينما ينتشر مقال يتحدث عن اليمن وباب المندب وصراع الرياض وأبوظبي ومستقبل محمد بن سلمان، يصل ولي العهد السعودي إلى القاهرة للقاء الرئيس عبدالفتاح السيسي.
لا أعرف ما يمكن أن يدور خلف الأبواب المغلقة خلال هذه الزيارة.
لكنني أستطيع التوقع بأن اليمن و الخلاف السعودي الإماراتي يمكن أن يحضرا بقوة على طاولة المباحثات المصرية السعودية.
فمصر والسعودية تطلان على البحر الأحمر، وباب المندب يمس مصالحهما مباشرة، وما يحدث في اليمن والقرن الإفريقي يصب في قلب المصالح المشتركة بين البلدين.
ومن هنا يصبح السؤال مشروعًا:
هل تستطيع القاهرة أن تلعب دورًا مختلفًا عن الدور الذي يريدون دفعها إليه؟
لا أن تكون مع الرياض ضد أبوظبي. أو العكس.
وإنما أن تكون مركزًا لتقريب وجهات النظر بين الفرقاء، بما يرعى مصالح الجميع، ويمنع أن يصل الخلاف إلى تهديد لمصالح المنطقة بكاملها.
مصر تحتفظ بمساحة وسط بين الجميع، وهي مقبولة من الجميع، ومكانتها وتاريخها يؤهلانها لأن تصبح جسرًا يربط بين الجميع، وفي هذه تكمن قوتها في ظل هذه الخيوط السياسية المعقدة التي تتداخل فيها مصالح الأطراف وتتعارض بين حينٍ وحين. مصر فعلًا تستطيع
على أن السياسة كذلك ليست مسابقة في حب الأصدقاء.. فذلك أصل المبدأ.
فالدول لا تبني سياستها الخارجية على الحب والكراهية.. ولا تتحرك لأن هذا صديق وهذا خصم.
الدول تتحرك حيث توجد مصالحها، ولهذا فإن اختزال روبن السياسة السعودية كلها في «الرغبة في فعل عكس ما تفعله أبوظبي» يظلم التحليل ويظلم الكاتب نفسه، مثلما سيكون من السذاجة أيضًا إنكار رؤيته في وجود خلافات حقيقية بين البلدين في بعض الملفات.
على أن مقال مايكل روبن، رغم قسوته وخطورة بعض استنتاجاته يستحق القراءة، لا لأن علينا التسليم بما جاء فيه، وإنما لأنه يكشف جانبًا من الطريقة يفكر بها الأطراف في مستقبل المنطقة.
وأنا حين قرأت روبن لم أتوقف طويلًا أمام سؤاله: هل انتهى عهد محمد بن سلمان؟
توقفت أمام سؤال آخر: هل هذه قراءة لمستقبل السعودية فعلًا.. أم رسالة تحمل في باطنها تهديداً سياسيًا غامضًا في قلب الصراعات التي تضرب المنطقة ؟ ويرغب في أن يدفع الرياض إلى حيث يريدون لها أن تكون.
من هنا في رأيي تأتي أهمية زيارة بن سلمان للقاهرة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى