سمير زين العابدين يكتب:زيارة محمد بن سلمان للقاهرة وإعادة صياغة الأمن الإقليمي في البحر الأحمر

تمهيد
تأتي زيارة ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، إلى العاصمة المصرية القاهرة في توقيت بالغ الحساسية الجيوسياسية، لتتجاوز في أبعادها الأطر البروتوكولية التقليدية.
تعكس هذه الزيارة حتمية استراتيجية فرضتها التحولات الميدانية المتسارعة في الملف اليمني، وتصاعد التهديدات الأمنية التي تمس مباشرة الأمن القومي للبلدين وعصب الاقتصاد العالمي في البحر الأحمر.
أولاً: محركات الزيارة ودوافعها الحقيقية (خلف الكواليس)
تنطلق الزيارة من معطيات أمنية وعسكرية ضاغطة استدعت تنسيقاً مباشراً على أعلى المستويات:
عسكرة البحر الأحمر وسقوط الساحل الغربي:
جاء التحرك في أعقاب تصعيد ميداني حرج نجحت فيه ميليشيا الحوثي في فرض واقع عسكري جديد عبر السيطرة على مدينة وميناء المخا الاستراتيجي، ومد نفوذها نحو مضيق باب المندب.
هذا التمدد يمثل تهديداً وجودياً مشتركاً؛ فهو يهدد الموانئ النفطية السعودية، ويضع خط الملاحة المؤدي لقناة السويس تحت رحمة الاستهداف الحوثي.
فجوة الموثوقية الدولية:
أظهرت التطورات الأخيرة حدود البراغماتية الأمريكية؛ حيث فضلت واشنطن خيار القنوات الخلفية والتفاهمات المؤقتة لتأمين سفنها، متجنبة الانخراط في ردع عسكري حاسم.
هذا التراجع الغربي دفع الرياض والقاهرة إلى بناء “شبكة أمان عربية ذاتية” لإدارة الصراع.
تأمين بدائل الطاقة الاستراتيجية:
مع اضطراب مضيق هرمز، باتت المملكة تعتمد بشكل متزايد على نقل نفطها عبر البحر الأحمر (ميناء ينبع) نحو أوروبا، مما يجعل المياه الإقليمية المصرية شرياناً مصيرياً لا يمكن حمايته إلا بتكامل أمني كامل بين البلدين.
ثانياً: المسار العسكري والأمني (الدفاع الجوي والردع الميداني)
لم تعد العبارة السياسية التقليدية “أمن الخليج خط أحمر” مجرد شعار، بل تُرجمت ميدانياً إلى معادلة دفاعية ملموسة:
الانتشار الدفاعي المصري:
أكدت التقارير الاستخباراتية المنشورة قيام مصر بنشر منظومات دفاع جوي متطورة داخل الأراضي السعودية (مثل منظومات “سكاي جارد آمون” الفعالة ضد الطائرات المسيّرة منخفضة الارتفاع)، مصحوبة بأطقم تشغيل وإدارة عسكرية مصرية لحماية المنشآت الحيوية وشبكات الطاقة.
تكامل مظلات الردع:
يهدف هذا التنسيق العسكري إلى تشكيل جدار دفاعي يمنع الحوثيين من استغلال تفوقهم في تكنولوجيا الصواريخ الباليستية والمسيّرات الانتحارية، ويحد من قدرتها على ابتزاز المملكة اقتصادياً أثناء جولات التفاوض.
ثالثاً: المسار السياسي والاستخباراتي (الدبلوماسية الخلفية والوساطة)
بالتوازي مع لغة الردع العسكري، تقود القاهرة والرياض استراتيجية “العصا والجزرة” عبر تفعيل القنوات الخلفية لجهاز المخابرات العامة المصرية:
تكامل الأدوار الإقليمية:
تسعى المخابرات المصرية، بالتنسيق مع سلطنة عُمان، إلى لعب دور وسيط موثوق مع قيادات جماعة الحوثي لإيجاد مخرج سياسي يحمي الحدود السعودية.
معضلة الرواتب والضغوط الاقتصادية:
يبرز ملف دفع رواتب الموظفين في مناطق سيطرة الحوثيين من عائدات النفط والغاز كأداة مقايضة رئيسية.
إن نجاح الوساطة في حل هذه الأزمة سيمنح الحوثيين “طوق نجاة داخلي” يمتص الاحتقان الشعبي، لكن الثمن المقابل الذي تشترطه مصر والسعودية هو التزام قاطع بتأمين الملاحة الدولية، ووقف الهجمات العابرة للحدود، وتجميد جبهة مأرب النفطية.
رابعاً: التلازم الاستراتيجي بين صنعاء وطهران
لا يمكن فصل مستقبل اليمن عن البوصلة الإيرانية؛ فالحوثيون يمثلون المخلب الأكثر شراسة في “محور المقاومة”، ويتأثر سلوكهم طردياً بوضع المركز في طهران:
سيناريو التصعيد الأقصى: إذا واجهت إيران ضغوطاً تهدد بنيتها الأساسية، ستكون جبهة البحر الأحمر وباب المندب أولى الجبهات التي ستشعلها طهران عبر الحوثيين لخلط الأوراق دولياً.
سيناريو التسوية الكبرى: في حال اتجاه إيران نحو صفقات دولية لرفع العقوبات، قد تفرض على الحوثيين خفض التصعيد والتحول إلى لاعب سياسي محلي.
ورغم ذلك، فإن نجاح الحوثيين في “توطين” التصنيع العسكري وبناء عقيدة قتالية صلبة يمنحهم هامشاً من المناورة الاستقلالية لفرض شروطهم الخاصة بالداخل اليمني.
خامساً: بناءً على المعطيات السابقة، وبما يضمن حماية الأمن القومي المصري-السعودي المشترك وتأمين الملاحة الدولية،
يكون مناسبا اتخاذ الإجراءات السياسية والعسكرية التالية:
إنشاء غرفة عمليات استخباراتية وعسكرية مشتركة ودائمة: تُعنى بالمراقبة اللحظية لجنوب البحر الأحمر وباب المندب، لضمان سرعة تبادل المعلومات التشغيلية والتصدي الاستباقي لأي تهديدات صاروخية أو مسيّرة قبل انطلاقها.
مأسسة “منظومة الدفاع الجوي العربي المشترك”: التوسع في نشر وتوطين منظومات الدفاع الجوي منخفضة ومتوسطة الارتفاع (مثل الآمون) لحماية منشآت النفط والتحلية الحيوية، وتطوير تكنولوجيا تشويش محلية لتقليل كلفة اعتراض الطائرات المسيّرة الانتحارية.
استغلال “الجزرة الاقتصادية” كأداة ضغط مشروطة:
الإبقاء على ملف الرواتب وحوافز التجارة عبر الموانئ كـ “ورقة مقايضة” بيد الوساطة المصرية-العُمانية، شريطة ربط التدفقات المالية بالتزام الحوثيين الفعلي واليومي بوقف عسكرة الساحل الغربي وحماية خطوط الملاحة.
تقوية ودعم الفصائل اليمنية المناهضة للحوثيين تنظيماً وليس عتاداً فقط: التركيز على صياغة “غرفة قيادة موحدة” تنهي تشرذم القوات (الحكومية، الانتقالي، طارق صالح، العمالقة) لضمان قدرتها على الصمود وشن عمليات مضادة منسقة لحماية مارب والساحل إذا انهار مسار التفاوض.
تفعيل مجلس الدول المطلة على البحر الأحمر كغطاء قانوني دولي:
إضفاء الصبغة القانونية والشرعية الإقليمية على أي تحركات عسكرية دفاعية مصرية-سعودية في المياه الدولية، لقطع الطريق على محاولات تسييس الملاحة من قبل القوى الكبرى (أمريكا، روسيا، الصين) والتعامل كأصحاب مصلحة أصيلين في المنطقة.
خاتمة:
تؤسس زيارة ولي العهد السعودي للقاهرة لمرحلة جديدة من العلاقات تتجاوز “الدعم الاقتصادي التقليدي” إلى “الشراكة الاستراتيجية الوجودية”. وتشير التقديرات إلى أن المشهد اليمني لن يتجه نحو حسم عسكري كامل لطرف واحد نظراً للرفض المجتمعي والقبلي الواسع للحوثيين في الجنوب والشرق، بل يتجه نحو تثبيت أمر واقع منقسم جغرافياً واقتصادياً، تحميه مظلة دفاعية مصرية-سعودية مشتركة بالبحر الأحمر، مدعومة بتوصيات استراتيجية قادرة على تحويل أدوات الردع إلى مكاسب سياسية مستدامة.