
مرّت غريبةٌ من أمامي و لم تقل شيئاً.
تركت خلفها
رائحةَ طينٍ مبلّلٍ
هطل للتوّ في عفرين .
نظرتُ إلى النافذةِ المضبّبة لقطار المنفى
فرأيتُ وجهاً لا أعرفه،
وجهَ شاعرٍ
مات في إسبانيا دون قبر.
كان يبتسم لي
و يشير بيده
نحو حقول الزيتون البعيدة.
على المقعد الضيّق
كان ريلكه يجلس إلى جواري،
يهمس
بلغةٍ خافتةٍ كأنفاس الطيور :
” لا تبحث عن الأجوبة الآن…
عِشِ الأسئلة و حسب.”
و في الزاوية الأخرى
كان الماغوط ينفض رماد سيجارته
و يشتمّ بصمتٍ
موظفي الهجرة و الخرائط
و جوازات السفر المستعارة.
يا إلهي…
كيف تتّسع هذه العربة
لكل هؤلاء الراحلين؟
و كيف يصير الصمت صوتاً؟
فتحتُ جرحي الكردي السوري
على جراحهم
فالتقى الرماد بالرماد
و نبت من زجاج النوافذ المكسورة
عشبٌ أخضر
لا يملكه أحد.
ثم … هدأ كل شيء.
تصالح بودلير مع سمائه العالية
و كفّ بوكوفسكي
عن الشجار مع آلته الكاتبة.
لم تعد المسافة بيننا سوء فهم.
صارت نافذةً
نعبر منها جميعاً نحو الصمت الأول
بأنفاسٍ ممتلئةٍ بالطمأنينة .