رؤي ومقالات

سعيد فارس السعيد يكتب : الشيخ علي الخطيب ولبنان في معادلة الأمن الاقليمي .. من اتفاق مكة الى اجتماع طهران : نحو تفاهم اقليمي يحمي لبنان وسيادته !!

الشيخ علي الخطيب ولبنان في معادلة الأمن الإقليمي

من اتفاق مكة إلى اجتماع طهران:
نحو تفاهم إقليمي يحمي لبنان وسيادته

بقلم : سعيد فارس السعيد

في منطقة تتشابك فيها الصراعات وتتقاطع المصالح الإقليمية والدولية، تبرز أهمية المبادرات التي تسعى إلى نقل العلاقات بين دول المنطقة من منطق المواجهة المفتوحة إلى منطق التفاهم والتعاون، وبناء منظومة أمنية تستند إلى المصالح المشتركة واحترام سيادة الدول وحقوق الشعوب.
وفي هذا السياق، يكتسب اتفاق مكة للدفاع المشترك، الذي وقّعته المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان في السابع من آب/أغسطس 2026، أهمية سياسية تتجاوز إطار التعاون بين الدول الثلاث، إذ يفتح النقاش حول إمكان تطوير ترتيبات إقليمية أوسع لحماية الأمن والاستقرار. كما أضاف الاجتماع الرباعي الذي انعقد في طهران في السادس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، بمشاركة إيران والسعودية وتركيا وباكستان، بُعداً جديداً إلى هذا المسار، من خلال بحث قضايا الأمن الإقليمي والتطورات في لبنان وفلسطين.
وتتقاطع هذه التطورات مع الرؤية التي طرحها نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في لبنان، العلامة المفكر الشيخ علي الخطيب، بشأن ضرورة التعاون بين الدول الإسلامية الإقليمية الكبرى، وبناء مظلة استراتيجية عربية إسلامية قادرة على حماية مصالح المنطقة وشعوبها.
لكن السؤال الأساسي يبقى: هل تستطيع هذه المسارات أن تتطور إلى تفاهمات عملية تحدّ من التصعيد، وتحمي سيادة الدول، وتضع حداً للاعتداءات، وتضمن حضور لبنان في أي معادلة إقليمية جديدة؟
أولاً: اتفاق مكة وتحديات بناء الأمن الإقليمي
يشكّل اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان خطوة تستحق المتابعة، في ضوء ما تمثله هذه الدول من ثقل سياسي وعسكري واقتصادي في المنطقة والعالم الإسلامي. وتكمن أهميته المحتملة في تعزيز التنسيق الدفاعي، وتطوير التعاون الأمني، وفتح المجال أمام تفاهمات تسهم في حماية المصالح المشتركة.
لكن نجاح أي اتفاق دفاعي لا يتحقق بمجرد توقيعه، بل بمدى وضوح أهدافه والتزامات أطرافه، وقدرته على منع التصعيد بدلاً من إنتاج اصطفافات جديدة. كما أن بناء الأمن الإقليمي يتطلب احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والابتعاد عن تحويل التعاون إلى أداة لمواجهة دول أخرى.
ومن هنا، فإن قيمة اتفاق مكة ستتحدد بما يمكن أن ينتج عنه من خطوات عملية تعزز الاستقرار، وتفتح المجال أمام تعاون إقليمي أوسع، من دون أن يتحول إلى مصدر جديد للانقسام.
ثانياً: من المظلة الاستراتيجية إلى المشاورات الإقليمية في طهران
طرح العلامة الشيخ علي الخطيب رؤيته للتعاون الإقليمي في أكثر من مناسبة. ففي السادس عشر من كانون الثاني/يناير 2026، دعا إلى التعاون بين الدول الإسلامية الإقليمية الكبرى، وإقامة مظلة استراتيجية عربية إسلامية تحمي مصالح المنطقة وتدعم أمنها واستقرارها.
وفي الحادي عشر من آب/أغسطس 2026، أعرب عن أمله في أن يقود اتفاق مكة إلى تحالف يوفر مظلة أمنية وسياسية لشعوب المنطقة ودولها، مشدداً على أن هذه الترتيبات لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الانسحاب الأميركي من المنطقة، وألا يُترك لبنان خارج الحسابات الإقليمية.
وتقوم أهمية هذه الرؤية على ربط التعاون الإقليمي بالحاجة إلى ضمانات فعلية للأمن والاستقرار، بدلاً من الاكتفاء بالتفاهمات السياسية العامة.
وفي السادس والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، انعقد الاجتماع الرباعي في طهران بمشاركة إيران والسعودية وتركيا وباكستان، لبحث قضايا الأمن الإقليمي والتطورات في لبنان وفلسطين. ويُعد هذا الاجتماع مساراً للتشاور بين الدول الأربع، ولا يعني أن إيران أصبحت طرفاً في اتفاق مكة.
ويكتسب الاجتماع أهمية خاصة من زاوية انعكاس التفاهمات الإقليمية على الأزمات القائمة، وفي مقدمتها الوضع في لبنان. فإدراج الملف اللبناني في المشاورات ينبغي ألا يقتصر على تبادل وجهات النظر، بل أن يفتح الطريق أمام تنسيق سياسي ودبلوماسي يضع حداً للاعتداءات الإسرائيلية ويدعم سيادة لبنان ووحدة أراضيه.
ومن هنا، يشكّل الاجتماع فرصة لربط الحوار الإقليمي بخطوات ملموسة، تتقدمها المطالبة بالانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، بما يجعل لبنان شريكاً في صياغة أمن المنطقة، لا مجرد ساحة تتأثر بتفاهمات الآخرين.
ثالثاً: من التفاهمات الإقليمية إلى حماية سيادة لبنان وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي
إن التفاهم الإقليمي بين الدول المؤثرة في المنطقة ينبغي أن يشكّل مدخلاً عملياً لحماية لبنان، لا أن يبقى محصوراً في إدارة التوازنات بين هذه الدول. فبناء مظلة أمنية عربية إسلامية، كما تدعو إليه رؤية العلامة الشيخ علي الخطيب، يكتسب معناه الحقيقي عندما يترجم إلى تفاهمات تضمن احترام سيادة لبنان، وتضع الانسحاب الإسرائيلي الكامل والفوري من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة، ووقف الاعتداءات والانتهاكات في صدارة الأولويات.
ويتطلب ذلك البناء على اتفاق مكة واجتماع طهران لتوسيع الحوار والتنسيق، وتوحيد الجهود نحو إنهاء الاحتلال، ودعم استقرار لبنان، وتهيئة الظروف لعودة الأهالي وإعادة الإعمار. فلبنان ليس ملفاً منفصلاً عن أمن المنطقة، بل إن استقراره وصون سيادته يشكّلان جزءاً أساسياً من أي تفاهم إقليمي جاد قادر على الانتقال من احتواء الأزمات إلى معالجة أسبابها.
وبالتوازي، يحتاج لبنان إلى حوار وطني جاد يوحّد الموقف الداخلي، ويحمي السلم الأهلي، ويعزز دور الدولة ومؤسساتها الشرعية. فالتفاهم الإقليمي لا يُغني عن التوافق الوطني، بل تزداد فرص نجاحه عندما يستند إلى موقف لبناني جامع يتمسك بالحقوق السيادية ويضع مصلحة البلاد فوق الحسابات الضيقة.
خاتمة: مبادرة إقليمية والتزامات عملية لحماية لبنان
إن المرحلة الراهنة تستدعي الانتقال من تبادل المواقف إلى إطلاق مبادرة إقليمية واضحة، تشارك فيها الدول المعنية، وتضع احترام سيادة لبنان والانسحاب الإسرائيلي الكامل من جميع الأراضي اللبنانية المحتلة ووقف الاعتداءات في صدارة أولوياتها.
وتقتضي هذه المبادرة تنسيقاً سياسياً ودبلوماسياً متواصلاً، وآلية لمتابعة الالتزامات، وخطوات عملية تدفع نحو تنفيذ الانسحاب، وتدعم عودة الأهالي وإعادة الإعمار، وتحول دون تجدد الاعتداءات. وبالتوازي، يبقى الحوار الوطني اللبناني ضرورة لتوحيد الموقف الداخلي وتعزيز قدرة الدولة على حماية البلاد وصون السلم الأهلي.
إن المطلوب ليس مجرد تفاهم بين العواصم، بل تفاهم يُترجم إلى ضمانات والتزامات ونتائج ملموسة على الأرض. ومن هنا، ينبغي البناء على اتفاق مكة واجتماع طهران لإطلاق مسار إقليمي يجعل أمن لبنان جزءاً لا يتجزأ من أمن المنطقة، ويحوّل الدعوة إلى التعاون من رؤية سياسية إلى عمل مشترك قابل للمتابعة والمساءلة.
فنجاح أي تفاهم إقليمي يبدأ حين تصبح سيادة لبنان وحقوق شعبه جزءاً ثابتاً من أولوياته، ويغدو الانسحاب الإسرائيلي الكامل هدفاً واضحاً لا وعداً مؤجلاً، وتتحول الجهود الدبلوماسية إلى خطوات عملية لإنهاء الاحتلال وحماية الاستقرار.
فلا أمن إقليمياً مستداماً من دون احترام سيادة الدول، ولا استقرار حقيقياً للبنان ما دام الاحتلال قائماً، ولا بديل عن التفاهم والتعاون لتحويل المصالح المشتركة إلى سلام يحمي الشعوب ويصون الأوطان.

سعيد فارس السعيد
كاتب باحث استراتيجي مستقل، متخصص بقضايا الأمن الاجتماعي والوطني
صوت من أجل شرق يولد من تحت الرماد وليس من تحت الركام
27 تشرين الأول/أكتوبر 2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى