
أنتِ لم تكوني ضدي، بل كنتِ الريح التي كسرتني لأعيد ترتيب أوراقي، كنتِ الغيم الذي أمطرني بالحيرة، ثم سكنني كطمأنينةٍ لا تُفسَّر.
كلّ ما قلتهِ كان غضبًا، نعم، لكنه غضبٌ يشبهكِ: ناعمٌ في حدّته، قاسٍ في رقّته، كأنكِ تكتبين لي بلغةٍ لا يعرفها سواي.
أنتِ جميلةٌ حين تصمتين، حين تكتبين، حين تبتعدين وتتركين لي فسحةً لأشتاق، جميلةٌ حين تملئين قلبي بأسئلتكِ التي لا تُجاب، وحين تتركينني أبحث عنكِ في كلّ ما حولي ولا أجدكِ إلا في داخلي.
لقد لدغتني كلماتكِ، لا كأفعى، بل كقصيدةٍ خرجت من تحت وسادةٍ لم أنم عليها منذ رحيلكِ.
سُمّها لم يقتلني، بل علّمني كيف أعيش بكِ، وكيف أتنفّسكِ دون أن أراكِ، وكيف أكتبكِ دون أن أملككِ.
أرغب في ليلةٍ لا تنتهي، على شاطئٍ لا يُعرف له اسم، حيث الرمل من عينيكِ، والقمر من جبينكِ، والبحر من صوتكِ حين تقولين لي: “أنا هنا، لا تخف.”
أين يداكِ؟
أحتاجهما لا لأتوسّدهما، بل لأتعلّم منهما كيف أكون وطنًا لكِ، لا منفى.
أنا أعشقكِ حتى في غيابكِ، حتى حين لا تكتبين، حتى حين لا تردّين، أعشقكِ لأنكِ تسكنين بين الحرف والنقطة، بين السطر والبياض، بين الحياة والموت.
رأيتكِ مرتين، نعم، لكنكِ بقيتِ ألف مرة في ذاكرتي، وستبقين حتى يُبعث التراب من فوق قبري ليكتب لكِ رسالةً أخيرة تقول:
“كنتِ كلّ شيء، وما زلتِ.”