رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : التدمير الذاتي كحل

لم تتح لنا في الوطن رؤية الامور بوضوح بسبب قسوة وتسارع وتشابك احداث عامة خارج الارادة والاحتمال، كما ان الوطن يمنح فضائل وهمية تختفي من النظر من مكان بعيد ومختلف.
في المنفى تتوفر هذه الفرصة ، ودراسة المنفى تؤدي الى دراسة الوطن ومستقبله لان الشخصية في المنفى تخرج من روابطها القديمة وتتصرف كما هي على حقيقتها التي كانت مخفية بسبب السلطة او علاقات وقوانين المجتمع وهناك مثل عراقي عجيب يقول” يا مغرّب خرّب” أي ان المعايير الاخلاقية لا حاجة لها عندما تكون في دار الغربة.
خلال الاعداد لمادة روائية جديدة وجدت ان بعض الشخصيات التي صادف ان عرفتها منذ ربع قرن هنا إما انها صارت أكثر سوءاً أو أن الجرح داخلي لا ينفع معه المكان الجديد كشفاء ، لكن التفسير غير المتوقع أن بعض النماذج مهما كان المكان الجديد يمنحها من فرص للحياة والبدء من جديد لكنها تبقى بما يسمى” منطقة الأمان” وهو الاكتشاف المذهل.
منطقة الأمان هي شبكة العلاقات والسلوكيات وانماط التصرف التي اعتاد عليها وأدمنت عليها وصارت جزءاً من النسيج العضوي كهروب قنفذ الى جحره ، فكيف تطلب مثلاً من شخص عاش حياته في الكذب والخداع والغش والاحتيال الى الخروج الى عالم واضح وصريح وجميل؟ لقد أهدرنا كثيراً من الأوقات في نصائح وعظية دون فهم الأسس العميقة لهذه المعضلة البنيوية. الطلب من هذا الصنف في التغير كالطلب من فيل عزف البيانو. يتحول الاستهتار الى حل لأنه منقذ من تجربة جديدة ومن قلق المعرفة ومن مراجعة المعايير القديمة ولأنه راسخ وعريق. لذلك يعيش هؤلاء في تجمعات خارج المجتمع العام بعناوين مختلفة ويشعرون بالأمان لأنهم يستعملون المعايير نفسها واللغة نفسها والتفسيرات نفسها وفي حالات عمليات النصب والاحتيال نفسها حتى ان بعضهم إفتتح أندية ثقافية لهذا السبب ولسرقة مخصصات دعم المؤسسات الثقافية وتلك قصة صارت شهيرة في الدول الاسكندنافية وحديث الصحافة.أي نقل معايير الأمكنة القديمة الى الجديدة للشعور بهوية الشاطر.
وعندما نشرت رواية” عزلة أورستا: سرقوا الوطن، سرقوا المنفى” الصادرة عام 2000 كنت واثقاً أن هؤلاء سيسرقون الوطن قبل سرقته بسنوات وهذا ما حدث لأن الرواية فن التفاصيل الصغيرة المنسية أو الظلال الخفية.
هذا الصنف عندما يقرر الاقامة في ” منطقة الأمان أو الراحة” يستطيع حماية نفسه من كل قيم ومبادئ وقواعد جديدة كما لو تخرج ذئباً الى حديقة أطفال حتى في داخل الوطن أو في منفى. القصة ليست مشكلة جغرافية بل مشكلة أخلاقية ونفسية.
في المكان القديم مستعد للقتال والنصب والكذب و” النجاح” لأنه يعرف القواعد وهذا الصراع يمنحه هدفاً و” شخصيةً” وهوية شخصية بصرف النظر عنها سواء هوية صوفي أو محتال، لكن في المكان الجديد سواء في منفى أو حتى داخل الوطن، لا توجد هيكلية الصراع مما يؤدي الى ما يعرف بـــــــــــــ الفراغ الوجودي. كيف يثبت” مكانة” وهو فارغ ؟
وكيف يملأ هذا الفراغ؟ الحل في العودة الى الدفاتر القديمة للعطار المفلس ولأنه عاش في ظروف الخوف والقمع لا يقترب من أجنبي لتصريف هذا الفراغ بل يذهب الى ابن جلدته المنفي مثله وهنا يدخل عامل الانتقاء: أي يختار ضحية منعزلة لا يتوقع منها الشر ولا الخوف لأنه هو نفسه يحمل ذاتاً جبانةً ممزقة مغطاة بالاستعراض.
قد يوفر له هذا الحل المؤقت فرصة الهروب من ألم داخلي أو فقدان الهوية بسبب واقع واضح وصريح لكن هذا الحل يعمق من مأزقه ويتحول الى استراتيجية مستمرة في مواجهة الحياة. لا يستطيع العودة الى هياكله وعالمه وقواعده القديمة في السلوك ولا يستطيع التأقلم أو حتى فهم واحترام القواعد الجديدة. كيف يحل هذا المأزق الدائري؟
مرة أخرى بالعودة الى ” دائرة الأمان” التي تعيده الى واقعه القديم ومعاييره ويشعر بالراحة المزيفة كجرعة مخدر ، وبعض هؤلاء يلجأ للتحايل الذاتي وخداعها في اقناع نفسه ان الواقع الجديد لا يناسبه لأسباب يخترعها للطمأنينة وهنا يمارس نوعين من التحريف: تحريف الواقع الجديد وتحريف المشكلة في الأساس في انها مشكلة نفسية واخلاقية عميقة في ان الشفاء النفسي ليس مكاناً خارجياً مهما كان، لكنه عملية نضج ونمو واعتراف وتواصل مع الذات الحقيقية الملغية . اذا كانت الروح محطمة، فلا مكان داخل أو خارج الوطن قادر على الشفاء في الحالات الطويلة الأمد التي تحولت الى مبادئ وقواعد حياة وصارت التصرفات المنحرفة مسيطرة بالكامل لذلك أي حل لهذا النمط هو سخرية.
فرضت علينا ظروف المنفى ان نلتقي بأشخاص من كل الانماط سواء في السكن أو مصادفة أو في مكان عمومي ولسوء الحظ أن أرتطم بشخصيات مستهترة خلق قصة لجوء مزيفة ومعاناة ملفقة لكن مع الوقت تكتشف قصة مختلفة: في الشهور الأخيرة بدأت السويد والنرويج اعادة حتى من حصل على جنسية وعاش عشرات الاعوام هنا بعد اكتشاف ان الاساس الذي حصل عليه اللجوء زائف خاصة بعد سهولة الحصول على المعلومات من العراق في السنوات الأخيرة من خلال تعاون دولي. لقد اضاع هؤلاء فرصة حصول آخرين على مكان آمن وهادئ ونظيف باستحقاق لأنهم سرقوا قصص معاناة الآخرين.
بالعودة الى مفهوم” المنطقة الآمنة” اتضح انها المنطقة التي تختزن خبرات الشخص السابقة سلباً أم ايجاباً وتوفر له الأمان الداخلي عند الحاجة ، لكن في حالة أن تكون منطقة الأمان أو الراحة كهروب من مواجهة الواقع والحقيقة والذات ، تتحول الى نمط من التدمير وهذه نتائج اختبارات سلوكية وتجارب سنوات في علم النفس.
هذا النمط يخاف من السعادة لانها تكلفه جهدا في بيئة مختلفة لا تستعمل معاييره كما ان النجاح الحقيقي أصعب لأن شروطه لا تتطابق مع مؤهلاته الهزيلة ، لذلك الحل في الهروب الى منطقة الأمان، الى شبكة الحيل والادعاء والمراوغة وصناعة شخصية مزيفة جديدة اضافة الى القديمة.
المفارقة ان الشفاء يهدم كامل الشخصية كعمارة قائمة على عمود معوج، وهذا الهروب يخترع له العنوان المناسب المريح لكنه كاذب.
عن تجارب مباشرة وشخصية يلجأ المستهتر الى منطقة أمانه، أي عالمه القذر ولغته وعلاقاته للحماية ويبحث عن نماذجه ويتعرفون على بعض بسرعة لان العالم الداخلي الاخلاقي متشابه ، ويلجأ المهذب الى منطقة أمانه للحماية ايضا لكن دون ايذاء او تجاوز بل يلعق جرحه بصمت وحسب مبدأ الانتقاء القذر قد يمارس الاول على الثاني قواعده السوقية للتنفيس وهو اقذر سلوك بشري انتقائي حسب فرانز فانون في اختيار ضحية مستنزفة لان جلاده الاصلي زرع فيه الجبن من القوي ولا يقترب منه بل يبحث عن ضحايا عزل للتنفيس والاستعراض وعن هروب من مأزق عميق لا مهرب منه مطلقاً إلا بالموت .
الشفاء من المكان القديم ليس وصفة بل رحلة طويلة وليست علاجاً بل معنى جديداً للحياة كما ان الجروح القديمة قد تكون علامة نبل على صراع مع ظروف فوق طاقة الاحتمال وانها علامات مضيئة على الخروج حياً ونظيفاً ولا يستحق الأمر رثاء الذات أو مشاعر ذنب بل العكس احترامها ولا يمكن أن تدخل في صراع مع ذئب دون أن يترك مخالبه على جسدك.
من تحطمت فيه روحه يحتاج غير العلاج من الخارج بل الى القبول غير المشروط للذات لأنه ليس مسؤولاً عن كل ما حدث وغالباً ما يجد الانسان نفسه في ” مناخ الخطأ” فماذا يفعل شخص وجد نفسه في مستنقع آسن؟ كيف يخرج ناصع البياض من نفق فحم؟.
بعض الجروح أوسمة لكن ليس كل الجروج وبعضها عفن ونتائج أهداف صغيرة وقذرة ولا تستجيب للعمل العميق النظيف ــــــــــــــ غير جاهزة ـــــــــ لأنه فقد الإيمان بذاته وواقعه القديم والجديد ولا خيار له غير العودة الى تلك المنظومة من قيم وقواعد الاستهتار ولو وفرت له كل ضمانات حياة جديدة وعادلة وآمنة لأنه استبدل كل الأمكنة بمنطقة الأمان The Comfort Zone التي تعزز فيه صورته الحقيقية الخفية عن الناس وهي نوع من الألم لكنه الألم الوحيد الذي يحميه من حياة جديدة ومن الخوف من الأمل ومن الحرية ومن الوضوح ومن التفكير ومن الاختيار لأنه في الواقع الجديد يعيش في منطقة غير آمنة وعلاقات صحية لم يألفها وفي داخلها يفقد هويته الذاتية المزورة ويخترع لنفسه شخصية غير المحظوظ كهروب وبالعودة الى المنطقة الآمنة يستطيع هناك ممارسة الهياكل والانماط السلوكية القديمة بصمت ولا ينفع اختراع هوية الضحية لأن هؤلاء صاروا يعرفوننا أكثر مما نعرف أنفسنا من التجربة الطويلة معنا.
ليس أمام هذا الصنف غير التدمير الذاتي اليومي مع تلميع الخارج كقبر مطلي بالرخام وفوقه الزهور وفي الداخل رائحة عفنة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى