الإثنين , يناير 25 2021

ضياع الرّوح … شعر : مصطفى الحاج حسين .

يأكلُني الارتباكُ الملظّى

يقضمُني الوقتُ المنسربُ

ويسرقُ منّي الانتظارُ انتظاري

أقفُ على بوابةِ الانزلاقِ

أرقبُ عودةَ عمري الذي ارتحلَ

أفتِّشُ صناديقَ الهلاك عنّي

منذُ برهةٍ كنتُ هُنا

مَن أخذَني مِن نفسي ؟!

دونَ أن أحسَّ أو أن أراهُ !

كنتُ أرتدي حُلُمي

وأصطحبُ أوراقَ أوجاعي

ودفتراً يثبتُ أنّي حيٌّ

هل أسمّي غيابي اختطافاً ؟!

أبحثُ عنّي في كلِّ القبورِ

وفي أقبيةِ الحزنِ المعتّقِ

لا أثرَ يدلُّ عليَّ في هذا الزّحامِ !

كنتُ أخبّئُ في صدري قصيدةً

لَم أجدها !

وكانَ لي قلبٌ ينبضُ بالحبِّ ضاعَ

وروحٌ تحفظُ للسّعادةِ عدَّةَ أبوابٍ

توارَت

كانَ لي عينانِ تباركانِ الجّمالَ

يبدو لي أصابَهما العماءُ

ولي يدانِ تسقيانِ الوردَ

فَقَدتُهُما

لا شيءَ منّي يبدو لي تبقّى

أصرخُ على صوتي

علّي أجدُهُ

أتحسّسُ وجهي لا أجدُ سوى العراءِ

أتلمّسُ قدميّ لا ألقى غير عكّازتي

نخرَها التّرابُ

رأسي ضلَّ عنّي

أنفاسي تقطَّعَت أوصالُها واختنقَت

لا أبصرُ ملامحي في هذا الكونِ

هل كنت مجرد وهم ؟!

هل كنتُ اللاشيءَ المطلقَ ؟!

ولكن لم تهاجمني الذّكرياتُ ؟!

كنتُ أدقُّ الأرضَ بخطواتي

أصارعُ الآلامَ بقوةٍ

ما الذي سرقَ منّي تواجدي ؟!

وتركَني بمفردي في غربةٍ قاحلةٍ !

ضِمنَ كلِّ هؤلاءِ النّاسِ لا أ راني !

ولا يبصرُني أحدٌ

مهما كلّمتُهم لا يسمعوني

لا أحدَ يسألُني عن هويّتي !

أو يكترثُ بلغتي

لغتي ما عادَت تفهمُني أو تلزمُني

أسألُ السّماءَ عن وجهي

تشيحُ بوجهِها

تمطرُ دمعتينِ

هل تعرفُني ياقمر ؟!

كنتُ أشبّهُ وجهَ حبيبتي ببدرِكَ

لا يلتفتُ إليَّ القمرُ !

واللّيلُ يأبى أن يُدخلَني إلى حجرتِهِ

والماءُ لا يشربُ من عطشي !

حتّى الخبزُ لا يمضغُني !

كلُّ ما هو كائنٌ وموجودٌ

يؤكّدُ لي أن لا وجودَ لي

أسألُ المرايا عنّي

يقهقهُ الميتُ المطلُّ على خوفي

بلدي

ما عادَ يرسلُ خلفي

ويستدعيني

وأشواقي تقعُ في الأسرِ

إن أرسلتُها

لا شيءَ منّي يتذكّرُ شيئاً عنّي !

كأنّي لم تلدني أمّي ذاتَ يوم

وَتُرضعني القدودَ الحلبيّةَ طوالَ تربيتي

وكأنَّ لا أبَ لي علّمني مهنةَ البناءِ !

كنتُ مَعَهُ نُشيّدُ المباني والمدارس

أحجارُها تعرفني

أحجارُها أكلَت من كتفيَّ وظهري

اسألوا أحجارَها عنّي وعن رائحتي

اسألوا السقّالاتِ والسلالمَ الخشبيّةَ

والأدراجَ الّتي صَعَدَت عليَّ

وأكياسَ الإسمنتِ الّتي جُبِلَت من عَرَقي

اسألوا الرافعاتِ والقرميدَ

وعمَّالَ البناءِ الطّيّبينَ المُتعَبينَ

حلب

وحدَها تعرفُني وتتذكّرني

هي تحفظُ اسمي عن ظَهرِ قلبٍ

تُمَيّزُ رائحةَ عَرَقي عَن بُعدٍ

هي أمّي الّتي لا تنكرُني مهما بَعُدتُ

تعرفُني حتّى لو تفسَّخَت جثَّتي

واهترأَت عِظامي

تعرفُني مِن قلبي

وَمِن دمعتي

سأعودُ إليكِ ذاتَ حُلُمٍ

وأتنفّسُ

مِن تحتِ ترابِكِ

يا حلب .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

%d مدونون معجبون بهذه: