كتاب وشعراء

الفراغ القديم …بقلم محمد بن محمد اللاني

أرخى الليل ستاره الأخير على السفوح، فبدت الجبال ككائناتٍ عظيمةٍ غارقة في نومٍ قديم، نومٍ يسبق البشر والطرق والبيوت وكلّ ما مرّ من هنا ثم مضى. لم يعد يرى تفاصيل الأشياء كما كانت قبل قليل، لكنّه كان يشعر بها أكثر ممّا يراها. كأنّ العتمة لا تحجب الأمكنة، بل تجرّدها من ملامحها الزائلة لتُبقي روحها وحدها. جلس على حجرٍ يعرفه منذ الطفولـة، الحجر نفسه الذي كان يراه يومًا شامخًا كجبل، قبل أن تكتشف عيناه مع السنين أنّ الأشياء لا تصغر، بل نحن الذين نبتعد عنها حتى تبدو أقلّ مما كانت. هبّت ريحٌ خفيفة من جهة الوادي، فحملت إليه رائحة التراب البارد، ورائحة الأعشاب البرّية التي لا تزال تنبت بعناد بين الصخور، فأغمض عينيه. كانت الرائحة تشبه رسالةً ضاعت في الطريق ثم وصلت بعد عمرٍ كامل. وفي تلك اللحظة أحسّ أنّ حياته كلّها لم تكن سوى دورانٍ طويل حول شيءٍ واحد لم يستطع الإمساك به. شيءٌ ظلّ يلوح له من بعيد ثم يتراجع كلّما اقترب منه. لم يكن حزنًا خالصًا، ولا حنينًا خالصًا، ولا فقدًا يمكن تسميته بسهولة. كان أشبه بفراغٍ قديم تشكّل في مكانٍ ما من روحه يوم غابت أمّه، ثم أخذ يكبر بصمتٍ مع السنوات، حتى صار جزءًا من تكوينه. كان يظنّ في البدايات أنّ الزمن سيعالجه، ثم اكتشف أنّ الزمن لا يعالج شيئًا، بل يعلّم الجراح كيف تسير معنا دون أن تعرج. لذلك مضت الأعوام، وتبدّلت المدن، وكثرت الوجوه، وتعاقبت الفصول، بينما ظلّ ذلك الفراغ مستيقظًا في مكانه، كعينٍ لا تنام. مرّت نساء كثيرات عبر حياته. بعضهنّ عبرن بخفّة الغيم، وبعضهنّ تركن وراءهنّ أثرًا يشبه العطر الذي يبقى في الغرفة بعد رحيل صاحبه، لكنّ شيئًا ما كان ينقص دائمًا. لم يكن يبحث عن الجمال، فقد رأى من الجمال ما يكفي ليعرف أنّه لا ينقذ أحدًا. ولم يكن يبحث عن الحبّ بالمعنى الذي يتحدّث عنه الناس كثيرًا. كان يبحث عن أمرٍ أكثر غموضًا، وأكثر استعصاءً على الوصف. كان يبحث عن امرأةٍ تستطيع أن تدخل إلى تلك المناطق المظلمة من روحه دون أن ترتبك. امرأةٍ لا تخاف من الصمت الطويل، ولا تسأل عن سبب الحزن كلّ مرّة، ولا تحاول إصلاح ما لا يُصلح. امرأةٍ تستطيع أن ترى الطفل الذي ما زال جالسًا في أعماقه منذ رحيل أمّه، دون أن تبتسم له بشفقة أو تدير وجهها عنه. كان يشعر أحيانًا أنّه لا يحتاج إلى من يحبّه بقدر ما يحتاج إلى من يفهم التعب المتراكم في زواياه الخفيّة. من يجلس إلى جوار هشاشته كما يجلس المرء قرب نافذةٍ مفتوحة على المطر. من يعرف أنّ بعض الأرواح لا تنقصها السعادة، بل تنقصها الطمأنينة. وأنّ بعض القلوب لا تطلب الكثير، بل تطلب مكانًا آمنًا تضع فيه أوجاعها لبعض الوقت. فتح عينيه ببطء. كانت النجوم قد ازدادت فوق القمم البعيدة، فيما أخذ الضباب يتسلّل من بطون الأودية كأنّه خارج من ذاكرة الأرض نفسها. وأحسّ فجأة أنّ الطريق الذي قطعه في حياته، بكلّ ما حمله من نجاحات وإخفاقات، لم يكن سوى محاولة طويلة للعودة إلى شيءٍ فقده ذات مساءٍ بعيد ولم يعرف كيف يسمّيه. نهض من مكانه ومشى خطواتٍ قليلة فوق السفح. كانت العتمة تزداد كثافة، والقرية تغرق شيئًا فشيئًا في سكونها الليليّ، لكنّه لم يشعر برغبةٍ في الرحيل. كان هناك شيءٌ ما يربطه بالمكان، شيءٌ يشبه انتظارًا قديمًا لم يكتمل بعد. رفع رأسه نحو الأفق البعيد، حيث كانت آخر خيوط الضوء تختفي خلف الجبال، وخُيّل إليه أنّ العمر كلّه ليس إلا بحثًا متواصلًا عن يدٍ تمتدّ إلينا في اللحظة التي نظنّ فيها أنّنا أصبحنا وحدنا تمامًا. وبقي واقفًا هناك، يصغي إلى الريح وهي تعبر السفوح، وإلى صوتٍ خافتٍ ينهض من أعماق ذاكرته، فيما كان الليل يتقدّم ببطء، وتظلّ الطرق كلّها مفتوحة على احتمالاتها الغامضة.. . .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى