كتاب وشعراء

يومٌ لا يشبه العيد.. قصة بقلم الكاتب: عماد أبو زيد – مصر

قصة قصيرة
“أنس” أعدَّ مصطبةً صغيرةً أمام بيته.. أحياناً يضع عليها أريكة صغيرة ثمَّ يجلس عليها.. بالقرب منه مذياع قديم ضبط مؤشِّره على إذاعة القرآن الكريم.. من الممكن أن يغيب طيلة اليوم عن شارعه.
حين يعود يجد كلَّ شيء مكانه.. وصوت الحصري أو محمود البنا أو المنشاوي يتلو القرآن. اعتاد الأطفال والأشقياء في الشارع على احترام خصوصيَّة أنس. ألقي السلام عليه في الصباح.. وأنا ذاهب إلى عملي، فيردّ عليَّ السلام بحرارة وحماس، ثمَّ يقول:
-“تعالَ اشرب شاي”.
كوب الشاي لا يُفارق يده، ولا السيجارة.. على المصطبة بجواره صنيَّة “استانلس”، وكوبان شاي من الزجاج، وبرَّاد أزرق اللون، وموقد غاز صغير. الليلة أمرُّ لعنده، والليلة ليلة العيد، والشارع لا يهدأ ولا يعرف النوم.. رجال مشغولون بتدبير حاجات العيد، ونساء منهمكات في تنظيف البيوت وترتيبها.. أما الأطفال فيلهون في الشارع حتَّى مطلع الفجر وصلاة العيد وذبح الأضاحي.
في الليل تنخفض درجات الحرارة.. يدفع “أنس” باب بيته، ثمَّ يخرج وفي “حجر” جلبابه كومة أخشاب جافَّة.. يضع بعضها فوق قصعة قديمة.. كان يستخدمها عامله بناء.. القصعة مُحمَّلة برماد وبقايا أخشاب مُتفحِّمة.. يجلس على قالبين من الطوب.. يوقد النار في الأخشاب، ويضع براد الشَّاي عليه، ويُمسك بقطعة كرتون بيده يزيح بها الدخان من أمامه.
أنهيت خدمتي في الجيش لمدَّة ثلاثة أعوام كضابط احتياط.. بعد تخرُّجي في الجامعة، ثم التحقت بالعمل في وزارة السياحة بالقاهرة، وتزوَّجت، وصار لي أبناء في مرحلة الشباب.. و”أنس” مازال على هذه الحال.. يردُّ السَّلام بمشاعر دافئة على مَن يُلقيه عليه.. ملامح “أنس” هرمت وقد وهن عظمه، وصار يرافقه عكَّازٌ خشبيٌّ.
كنت أعتقد منذ سنين طويلة أنَّه يجلس هكذا – لأجلٍ مُحدَّد – أمام بقايا الجدارن التي تحوط بمساحة خلاء.. حارساً لها، خشية أن يسطو عليها أحدٌ، ويقوم بالبناء عليها في غفلة من الزمن.. وأنه سيقوم ببناء هذه المساحة قريباً.. ويعيد الحياة فيها.
مازالت بقايا الجدارن من الداخل تحمل بعض ألوان الطلاء الأبيض والأصفر، ومازالت نافذة خشبيَّة مُعشَّقة بالزجاج الملوَّن الأحمر والأزرق والأصفر والأخضر تتبدَّى من أحد حوائط الغرف المهدَّمة، ومازال الباب الخشبيُّ الأخضر الكبير منتصباً يدخل ويخرج منه “أنس”.. مازالت الجدران تحكي عن حياة احتضنتها.. مازال “أنس” يحكي عن أبيه وأمِّه وأخته كلما جلس عنده أحد، وهو يضع براد الشاي على النار.

بقلم: عماد أبو زيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى