
ما خرجتُ عن سربي…
لكنني رفضتُ أن أكونَ رقماً في قطيعِ الأرقام.
رفضتُ أن أعلّقَ قلبي على مشجبِ الطاعة.
أحببتُ وطني…
كما يُحبُّ العاشقُ جرحَهُ الجميل.
كما يُحبُّ البحّارُ ريحَهُ المجنونة.
لكنني لم أُولدْ لأمشي بقدمين مستعارتين.
ما خرجتُ عن سربي…
لكنني اخترتُ أن يكونَ لي اسمي الخاصُّ على الريح.
وأن أتركَ للكفِّ بصمتَها.
وللماء انعطافتَه.
أنا منهم…
من خبزِ التنور.
من رائحةِ القمح.
من وجوهٍ غسلتها الشمسُ والتعبُ النبيل.
أنا منهم…
لكنني لستُ نسخةً مصوَّرةً عن أحد.
أنا النهرُ…
وفي دمي ذاكرةُ الجبال.
وفي مائي أغنياتُ الحقول.
لكنني كلما رأيتُ البحر
تمرّدتُ على الضفاف.
كسرتُ أسوارَ الماء.
واخترعتُ للموج لغةً أخرى.
ما خرجتُ عن سربي…
فالشجرةُ العظيمةُ لا تخافُ غصناً جديداً.
ولا ينقصُها عصفورٌ يغنّي خارجَ المألوف.
فالسماءُ لا تضيقُ بجناحٍ مختلف.
والشمسُ لا تسألُ الضوء: من أيِّ نافذةٍ أتيت؟
أنا ابنُ هذا التراب…
لكنني أؤمنُ
أن أجملَ الأشجار تلك التي ترفعُ أغصانَها عالياً دون أن تخلعَ جذورها.
وأن أجملَ الأنهار تلك التي تبلغُ البحر باسمها الخاص.
ما خرجتُ عن سربي…
كنتُ فقط
أبحثُ عن سماءٍ تسعُ جناحي…
وتسعُ الجميع.