رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :حرب ما قبل الحرب: كيف تُصنع صورة “التهديد المصري” داخل إسرائيل؟

منذ عدة أشهر أتابع قناة تليجرام إسرائيلية متخصصة في تحليل صور الأقمار الصناعية والتحركات العسكرية في الشرق الأوسط، يديرها محلل إسرائيلي يُدعى Ben Tzion Macales.
في البداية ظننت أن الأمر لا يتجاوز مساحة اعتيادية لهواة الـOSINT، لكن مع الوقت اتضح أن ما يُنشر هناك ليس مجرد متابعة تقنية… بل نافذة حقيقية لفهم كيف يُعاد تشكيل الإدراك الأمني الإسرائيلي تجاه مصر.
القناة لا تعمل بمنطق “الحدث العاجل”، بل بمنطق “المسح الاستراتيجي طويل المدى”.
صور محدثة باستمرار.
مقارنات زمنية دقيقة.
تحليل للمنشآت تحت الأرض.
رصد للرادارات ومنظومات الدفاع الجوي.
متابعة لتوسعة المدارج والقواعد.
وتوثيق دائم للتحركات العسكرية والبنية الهندسية في سيناء وشرق القاهرة.
المثير هنا ليس فقط كمية المعلومات، بل طبيعة الأسئلة المطروحة.
قبل أيام مثلًا، نشر القائم على القناة صورًا لمنشأة تحت الأرض شرق القاهرة قرب رادار روسي بعيد المدى.
رادار (Rezonans-NE)” مصر حصلت على هذا الرادار من روسيا (بدأ التسليم عام 2020)، وموقعه على طريق القاهرة-السويس مذكور في منتديات تحليلية متخصصة. الرادار مصمم للكشف المبكر عن الأهداف الشبحية (stealth) وصواريخ كروز الباليستية، ومداه يصل إلى 600 كم للأهداف الجوية و1100 كم للباليستية.”
، ولم يكن السؤال: “ما هذه المنشأة؟”بل: “ما العلاقة الوظيفية بينها وبين الرادار؟”
وهنا نفهم أننا لا نتحدث عن فضول استخباري عابر، بل عن عقل أمني يحاول تفكيك طريقة التفكير العسكري المصري نفسها. هذه نقطة شديدة الأهمية.
لأن إسرائيل تاريخيًا لا تتعامل مع التهديدات باعتبارها أحداثًا مكتملة، بل باعتبارها “مسارات تشكّل” يجب مراقبتها واحتواؤها قبل اكتمالها.
هذا جزء أصيل من العقيدة الأمنية الإسرائيلية منذ تأسيس الكيان: منع تشكل أي قوة إقليمية قد تقيّد حرية الحركة الإسرائيلية مستقبلًا، خصوصًا في الجو والمجال الاستخباري والردع بعيد المدى.
ولهذا تصبح أمور مثل: الرادارات بعيدة المدى،
والمنشآت المحصنة،
ومراكز القيادة تحت الأرض،وشبكات الإنذار المبكر،وقدرة الدولة على الصمود بعد الضربة الأولى…
ليست مجرد إجراءات دفاعية عادية في العقل الإسرائيلي، بل مؤشرات استراتيجية على احتمالات تغير ميزان القوة مستقبلًا.
المسألة هنا أعمق من مصر وحدها.
إسرائيل بعد 7 أكتوبر لم تعد ترى الشرق الأوسط كما كانت تراه قبل 7 أكتوبر.
هناك تحول نفسي واستراتيجي حقيقي داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية: تراجع الإحساس بالمناعة المطلقة،
تصاعد هاجس المفاجأة،وتوسع تعريف “التهديد الوجودي”.
ولهذا أصبحت إسرائيل أكثر حساسية تجاه أي تطور عسكري نوعي في الإقليم، خصوصًا إذا تعلق بدول تمتلك ثقلًا جغرافيًا وبشريًا وعسكريًا مثل مصر.
لكن الأخطر في كل هذا ليس المراقبة نفسها.
الدول تراقب بعضها دائمًا.
الأخطر هو كيف تتحول المراقبة تدريجيًا إلى “سردية”.
وهنا تبدأ حرب ما قبل الحرب.
تبدأ بمحلل أقمار صناعية ينشر صورة.
ثم حسابات تعيد التدوير والتفسير.
ثم مراكز أبحاث تناقش “التحول العسكري”.
ثم تسريبات تتحدث عن “قلق أمني”.
ثم سياسيون يطرحون أسئلة حول “تغير ميزان القوة”.
ثم تتحول الفكرة تدريجيًا إلى إدراك عام داخل المجتمع والنخبة الأمنية: هناك تهديد يتشكل.
هذه الآلية ليست جديدة.
بهذا الشكل تقريبًا تُبنى البيئة النفسية والسياسية التي تسبق كثيرًا من الصدامات الكبرى: ليس عبر قرار مفاجئ فقط، بل عبر تراكم طويل لإعادة تعريف الطرف الآخر داخل الوعي العام باعتباره خطرًا محتملًا يجب الاستعداد له أو احتواؤه.
ولهذا فإن متابعة هذا النوع من القنوات الإسرائيلية ليست رفاهية أو فضولًا إلكترونيًا، بل فرصة نادرة لفهم كيف يفكر العقل الأمني الإسرائيلي حين ينظر إلى مصر.
إسرائيل لا تراقب فقط ما تملكه القاهرة الآن.
بل تحاول الإجابة عن سؤال أخطر بكثير:
ماذا يمكن أن تصبح عليه مصر بعد عشر سنوات إذا امتلكت القدرة والإرادة معًا؟
وهذا بالتحديد ما يجعل كل: رادار،
وقاعدة،وتحصين،وشبكة دفاع جوي،ومنشأة تحت الأرض…
جزءًا من معركة إدراكية واستراتيجية أكبر بكثير من مجرد صور أقمار صناعية.
الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة عنوانها: الاستعداد الدائم.وفي هذه المرحلة، لم تعد الحرب تبدأ بالصاروخ الأول…
بل تبدأ أحيانًا بالصورة الأولى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى