تقارير وتحقيقات

عن المخاوف الإسرائيلية من إبحار الفرقاطة التركية في المياه الأمريكية

إسرائيل منزعجة من قرار إدارة ترمب إدراج تركيا في المناقصة الجديدة لشراء فرقاطات حربية من الخارج، وهي خطوة تكسر بها واشنطن قاعدة قانونية عمرها 100 عام؛ تحديدًا منذ عام 1920 حين أقرّ الكونغرس “قانون البحرية” الذي حظر شراء سفن تُبنى في أحواض أجنبية.
إسرائيل تنظر للقرار الأمريكي باعتباره تعميقًا غير مرغوب فيه للعلاقات العسكرية بين واشنطن وأنقرة في لحظة إقليمية حساسة، لكن القراءة الأوسع تكشف عن تحوّل استراتيجي كبير في حسابات القوة البحرية الأمريكية.
فالأرقام تشي بأن البحرية الأمريكية تعاني اليوم فجوة متسعة أمام البحرية الصينية التي تمتلك نحو 400 سفينة حربية كبيرة، بينما تعجز واشنطن عن بلوغ هدفها المعلن وهو 300 سفينة عاملة.
ولسدّ هذه الفجوة، ستطرح وزارة الحرب الأمريكية في أكتوبر المقبل أول مناقصة من نوعها لشراء فرقاطات من خارج الولايات المتحدة، على أن تُبنى السفن في أحواض أجنبية ثم تُنقل الخبرة إلى أحواض أميركية لاستكمال الإنتاج.
المنافسة كانت محسومة نظريًا بين كوريا الجنوبية واليابان، لكن دخول تركيا المفاجئ أعقب محادثة مباشرة بين الرئيسين أردوغان وترمب أثناء قمة حلف الناتو الأخيرة في أنقرة.
الفرقاطة التركية الجديدة التي تحمل اسم “فئة إسطنبول” Istanbul-class تمثل عرضًا مختلفًا عن منافستيها الآسيويتين. فهي أصغر حجمًا بطول 113 مترًا وحمولة تقارب 3100 طن، ومجهزة بـ 16 منصة إطلاق عمودية، ومدفع رئيسي عيار 76 ملم، وصواريخ هجومية محلية الصنع من طراز “أتماكا” Atmaca، ويعتمد رادارها على تقنية AESA التي طورتها شركة “أسيلسان” ASELSAN التركية. أي أنها قطعة حربية بحرية بمكونات تركية خالصة من الألف للياء.
لكن ميزتها الأبرز ليست في سمات التسليح فقط، بل في تكلفة الإنتاج المنخفضة ووجود شبكة واسعة من أحواض بناء السفن الخاصة القادرة على الإنتاج المتوازي، وهو ما سمح للبحرية التركية بطلب ثماني سفن دفعة واحدة، إضافة إلى طلبين من إندونيسيا.
في المقابل، تعرض كوريا الجنوبية فرقاطة “تشونغونغ” Chungung، الأكبر حجمًا بطول 130 مترًا، والأثقل تسليحًا بمدفع 127 ملم ورادار AESA متعدد المهام. وميزتها الأساسية تكمن في سماتها الصناعية الهائلة عبر شركات عملاقة مثل HD HHI وHanwha Ocean، القادرة على إنتاج سفن حربية بمعدلات غير مسبوقة عالميًا.
أما اليابان فتدخل المنافسة بفرقاطة “موغامي” Mogami-class، الأكبر حجمًا والأكثر تسليحًا، بطول يتراوح بين 133 و142 مترًا، وتسليح يشمل ما بين 16 و32 منصة إطلاق Mk41 وصواريخ كروز 17، وصاري تخفّي مغلق من طراز UNICORN مدمج مع رادار AESA. وميزتها الجوهرية في مستوى “الأتمتة”Automation العالي (الاعتماد الأكبر على البرامج الآلية) بما يسمح بتشغيل السفينة بطاقم لا يتجاوز 90 فردًا، أي نصف طاقم الفرقاطات الغربية المماثلة.
ورغم أن العروض الآسيوية تبدو أكثر تطورًا من حيث الحجم والتسليح، فإن العرض التركي يقدّم ما تبحث عنه واشنطن في هذه اللحظة: سرعة الإنتاج، انخفاض التكلفة، وتعدد خطوط التصنيع.
فالمشكلة الأمريكية حاليًا ليست في التكنولوجيا، بل في القدرة على إنتاج سفن جديدة بوتيرة تواكب سرعة الصين، التي تبني سفنًا حربية بمعدل غير مسبوق في التاريخ الحديث.
لكن السماح بدخول تركيا إلى المنافسة في واردات البحرية الأمريكية يحمل دلالات سياسية أكبر. فالعلاقات العسكرية بين واشنطن وأنقرة متوترة منذ أن استبعدت الولايات المتحدة تركيا من صفقة بيع أحدث مقاتلاتها F‑35 عام 2019 (بقيمة 23 مليار دولار) بعد شراء أنقرة منظومةS‑400 الروسية، بينما منعت تركيا استخدام أراضيها لشن الهجوم الأمريكي على إيران.
ورغم أن ترمب وافق مؤخرًا على تزويد طائرة الشبح التركية “خان” Kaan بمحركات نفاثة F110 أمريكية الصنع، فلم تشترِ واشنطن أي منظومة سلاح تركية حتى الآن، على عكس مشترياتها المتزايدة من السلاح الإسرائيلي.
ولذلك، ترى تل آبيب أن احتمال شراء البحرية الأمريكية فرقاطات تركية سيمثّل تحولًا استراتيجيًا في العلاقة بين البلدين، وربما يعيد أنقرة إلى موقع مركزي في منظومة التسليح الغربية برمتها.
كما أن أي تقارب أمريكي تركي على هذا النحو -في المنظور الإسرائيلي- قد ينعكس على توازنات الشرق الأوسط الحساسة، وعلى مشاريع الغاز في شرق المتوسط، وعلى خصوصية التعاون الاستخباراتي مع واشنطن الذي تستأثر تل آبيب بالأفضلية المطلقة في مجاله.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى