
لا أغوص في القصيدة إلا لأُنقذ الغرقَ منّي ،
أزرع أصابعي فوراً
على عنق ذبولهِ
كمن يبتدئ الحياة بالنفَس الأخير ،
و أقول له :
لا تخف ،
أنا من يعير البحرَ لموجهِ
و إن شئتَ ..
أمحوه من الشعر ،
و لكن ..
قصائدي لا تُسكّن الألم ،
و إنما تجيء كعاصفةٍ لها لكنة الخراب
و لا تعتذر أبداً للصفيح المثرثر ..
تصرخ في وجهي
وتضع تاجاً من رماد على رأسي ،
ثم تهمس :
اكتبني كما أنا
لا كما يريدونك أن تكون .
أنا لستُ شاعراً يزرع ورداً في النص ،
أنا الشوك الذي نما في حنجرة اللغة ..
أنا الحبر حين يبكي لأن الورقَ ضاق به .
شرسة قصائدي ..
كبرقٍ تربّى في كهف ،
كنبوءةٍ خافَ منها الكهنة ،
كنارٍ لم يُلقِ بها نبيّ .. ،
كأنني شاعِرٌ قادمٌ من خمس شموسٍ
و نارٍ لا تريد أن تنطفئ .
فأنا حين أغوصُ في الشعر
لا ألبسُ سترةَ نجاة ،
بل أُغرقُ البحرَ بي
و أعلّق على موجِه اسمي .
أعرفُ أن الكتابةُ ليست خلاصاً ..
بل لعنةٌ ناعمة
تضعُ يدها على صدري و تهمس :
اكتب أكثر ،
فإنهم لم يفهموك بعد .
قصائدي لا تنام ..
تصحو فجراً على صوتِ قصفٍ بعيد
تلمّ جراحها و تضحك ،
ثم تُكمل المشي حافيةً على شظايا المجاز .
هي ليست طيّعة ..
لا تُدرّس في الجامعات
و لا تُروى في أعراسِ الجوائز ،
قصائدي كالسكّين
لا تصلحُ للمديح
بل تُستعملُ للقطع ،
لقطعِ الأوهام عن عنقِ الحقيقة .
كتبتُ مرّةً بنزفٍ لا يُرى ..
فظنّوا أنني بخير
لكن الورقَ كان يئنّ
و كانت القصيدة تُخفي جثّةً في طيّاتِها .
أنا لا أكتب لأُدهش أحداً
بل لأبقى حيّاً ،
لأُمسكَ جمرةَ الأسئلة بيدي ..
و أُحرّض الله .. على أن يُجيب .
قصائدي قاسية جداً
لأن العالمَ لا يلين ..
و لأن قلبي ما عاد يعرف النسيان ،
فكل بيتٍ كتبتُه
تَحوَّل إلى قبر صغير ..
دفنتُ فيه ما لم أستطع قوله .
و لأنني كتبتُ كثيرًا عن الحرب ..
ظنّ الحبُّ أنني نسيتُه ،
فجاءني في ليلٍ يشبه طلقةً ضلّت طريقها
و ألقى برأسه على كتفي ،
وقال :
هل بقي مكانٌ لي ..
في هذا الركام ؟