كتاب وشعراء

قبل أن يبرد القلق….بقلم محب خيري الجمال

أدخل العام كمن يدخل غرفةً بلا نافذة،
أقول للوقت: صباح الخير،
ولا يردّ.
أقول: مساء الخير،
كمن يعيد جملةً سقطت منه في منتصف يومٍ طويل.
أقول: السلام عليكم،
ولا أحد هناك سوى قلبي يرفع رأسه قليلًا
ثم يجلس.
أقول: كل عامٍ وأنت بخير،
ولا أعرف من الذي أخاطبه بالضبط،
العام؟ أم هذا التعب الذي يسبقني دائمًا بخطوة.
أجرّ أيامي من أكمامها وأضعها على الطاولة
كي أراها تتعب قبلي.
لا شيء يبدأ تمامًا، ولا شيء ينتهي،
هناك فقط هذا القلب
الذي يستيقظ كل يوم أقلّ ثقةً بالعالم
وأكثر معرفةً به.
أفتح العام كجرحٍ لا يريد ضمادًا،
أعدّ الأيام بأصابع متعبة،
كلُّ إصبعٍ فكرةٌ تنكسر،
وكلُّ فكرةٍ حجرٌ يجرّ ظله خلفه.
المدينةُ تجرّ كرسيَّها وتجلس في صدري،
تعلّمني كيف أكون ضيقًا بما يكفي
لتمرّ الأسئلة ولا تجد مكانًا للجلوس.
الوقتُ حيوانٌ أليفٌ فجأة،
يمسح رأسه بيدي ثم يعضّني
حين أغمض عيني.
أقول: الصباحُ وعدٌ مؤقت،
فيضحك الضوءُ من صدقي، ويمرُّ كأنه لم يرَ أحدًا.
القلقُ خبزُ هذا اليوم، نأكله بلا ملحٍ
كي لا نعتاد الطعم.
أنا ابنُ ارتباكي،
أحمل اسمي كصندوقٍ فارغ،
كلما فتحته طار منه سؤالٌ بلا جناحين.
أصادقه كي لا يسقط.
الأشياءُ تتواطأ عليّ:
النافذةُ تلوّح ثم تنساني،
الطريقُ يبدّل رأيه عند أول خطوة،
والأغنيةُ تقفز من فمي
لتختبئ في حنجرة الغياب.
أتعلمُ الحكمة من كسرة فخار،
وأتعلّم الشجاعة من فنجانٍ مقلوب،
أخلط ما تبقّى من قلبي بماءٍ لا يتذكّر اسمه.
أريد حياةً تُفاجئني ولا تعتذر.
حين أبتسم،
أفعل ذلك كي لا يصدّقني اليأس،
وحين أبكي
أفعل ذلك كي لا أصدّق نفسي.
بينهما أمشي كمن يحمل نارًا في جيبه
ويبحث عن شتاءٍ يستحقها.
إن كان لا بدّ من احتفال،
فليكن بهذا الوقوف العنيد،
بهذه القدرة الصغيرة
على تسمية الألم
ثم تركه ينام قرب الباب.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى