تاريخ العرب

من دكان إلى عرش الأندلس

في قلب الأندلس النابض، في مدينة **قرطبة** الساحرة، بدأت قصة شابٍ يُدعى **محمد بن أبي عامر**، ولد في قرية “طورش” قرب الجزيرة الخضراء عام 938م، في بيت متواضع لكنه يحمل في دمه إرثاً عريقاً. كان جده عبد الملك المعافري من رفاق طارق بن زياد الفاتحين، وجده الآخر يحيى بن إسحاق طبيب الخليفة الناصر. أما والده عبد الله فكان زاهداً تقياً، توفي عائداً من الحج، تاركاً وراءه أماً نبيلة من أشراف قرطبة اسمها بريهة.
نشأ محمد وسط أحلام أكبر من سماء #الأندلس. كان يحلم أن يحكم هذه الأرض الخصبة كما فعل عبد الرحمن الداخل من قبل. لم يكن حلماً خيالياً، بل كان يقيناً ينبض في صدره.
ذات يوم، حمل الفتى قلمه وذكاءه الحاد، وقدم إلى #قرطبة، عاصمة العلم والسلطة. افتتح دكاناً صغيراً أمام أبواب قصر الخليفة، يكتب الرسائل والعرائض بأسلوب فصيحٍ أذهل الجميع. سرعان ما لفتت براعته أنظار القصر، فبدأ صعوده السريع كالنجم في ليلة صافية.
في ليلةٍ هادئة، جلس مع صديق له يتأمل مصيره، فسخر منه الصديق قائلاً:
«وأنت أمير المؤمنين؟»
فنظر إليه محمد بنظرة صلبة وقال بثقة لا تتزعزع:
«هو ذاك!»
ثم طلب منه المساندة، وفي بستان بحي الناعورة جمع أربعة من أصدقائه، وأعلن لهم طموحه بالحكم. ضحكوا ساخرين، لكنه طلب منهم أن يختاروا مناصبهم إذا تحقق الحلم. فتمنّى كلٌّ ولاية أو قضاءً، إلا موسى الذي قال مازحاً:
«أريد أن تُطاف بي على حمار مغطى بالعسل!»
لم ينسَ محمد بن أبي عامر شيئاً. عندما أصبح الحاكم الفعلي، نفّذ أمنياتهم جميعاً… إلا موسى، فقد عاقبه بغرامة أفقرته جزاء سخريته!
تحت ظل الخليفة **الحكم المستنصر**، بدأت الرحلة الحقيقية. رشّحه الحاجب **جعفر المصحفي** ليكون وكيلاً لولي العهد عبد الرحمن، ابن الجارية **صبح البشكنجية**. اقترب محمد من صبح، أم ولي العهد، وكسب ودها بهداياه الفاخرة، حتى أهداها يوماً قصراً من فضة أذهل الجميع.
تولى مناصب متتالية: دار السكة، المواريث، قضاء إشبيلية ولبلة، الشرطة الوسطى، ثم قضاء #المغرب. كان ذكياً، حازماً، ودهاءً لا يُضاهى. حين واجه اتهامات بالاختلاس، استعان بصديقه ابن حُدير فسدّ العجز المالي في اللحظة الأخيرة، فازدادت ثقة الخليفة به.
بعد وفاة الحكم، وتولي الصبي **هشام المؤيد**، حاول الصقالبة الإطاحة به لصالح عمه المغيرة. تحالف محمد مع المصحفي والبربر، أفشل المؤامرة، وقتل المغيرة، وثبّت هشام على العرش. ثم بدأ ينسج خيوطاً أكبر.
استمال الصقالبة بالعطايا، وضم #البربر إلى جيشه. قاد حملة عسكرية ناجحة ضد الممالك الشمالية، عاد بالغنائم الوفيرة، فعزّز مكانته.
لكن الطموح لا ينام. تحالف مع القائد **غالب الناصري**، تزوج ابنته أسماء، ثم استصدر مرسوماً بعزل المصحفي وسجنه. وبعد مكيدة كادت تقتله، تخلص من غالب في معركة حاسمة.
أخيراً، حاصر الخليفة هشام في قصره، أشاع أنه تفرغ للعبادة وفوّض إليه الحكم. حين حاولت صبح استعادة سلطة ابنها، نقل الأموال من قصر الزهراء إلى قصره الجديد **الزاهرة**، حتى اعتزلت وتوفيت حزينة.
هكذا أصبح **الحاجب المنصور**، الحاكم الفعلي للأندلس. قاد أكثر من خمسين حملة عسكرية، لم تُهزم له راية، أضعف الممالك المسيحية لأجيال، وبنى دولة قوية عامرية، آخر معاقل وحدة المسلمين قبل أن تنهار إلى عصر **ملوك الطوائف**.
من دكان كاتب متواضع أمام قصر الخليفة، إلى عرش السلطة الذي حكم فيه ربع قرن…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى