رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :حين تتكلم التفاصيل العسكرية… ويصمت الوهم السياسي

تأملات في لحظة "كرتون" ترامب ومقدمات أفول محتمل

ليس سهلاً أن تقف أمام رجل مثل العقيد لاري ويلكرسون، من كان في صلب صناعة القرار الحربي الأمريكي في العراق، ثم يخرج ليقول بكل برود: “إيران أدخلت ترامب داخل بكوس (كرتون)، وقاعدة تلطش فيه يميناً وشمالاً حتى أفقدته الوعي”.
هذا ليس كلام شارع، ولا تحليل غرفة أخبار. هذا وصف جارح لواقع عسكري من رجل يعرف كيف تُربط الأحزمة الناسفة قبل أن تُفكك.
وأنا، إذ أقرأ كلماته، لا أجد فيها كثيراً مما يخالف ما أراه بعيني التحليلية منذ أسابيع. الفجوة بين “نحن دمّرنا كل شيء” التي صرخ بها ترامب، وبين صور طائرات A-10 وF-15 وهي تسقط أو تتجرع النيران فوق الأجواء الإيرانية، ليست مجرد فجوة إعلامية، بل هوة استراتيجية.
المضحك المبكي أن الإدارة الأمريكية صدّقت وهمها. صدّقت أن ضربات F-35 الشبحية الأولى قد سلخت دفاعات إيران الجوية بالكامل. لكن ما حدث بعد 48 ساعة فقط هو الذي أيقظ القليلين: طائرات أمريكية من الجيل الرابع تُستهدف بنظام دفاعي إيراني “ثانٍ” لم يُكشف، طبقة مرنة ومتنقلة تعتمد على التتبع الحراري لا الرادار. هذا ليس فشلاً تكتيكياً، هذا فشل استخباري واستراتيجي متراكِم.
ويلكرسون، الذي رأى بعينيه كيف تتحول “أفضل جيش في العالم” إلى وحل في العراق، يعرف الآن ما يتحدث عنه. وصفه لترامب بأنه داخل “كرتون يُتلطش فيه يميناً ويساراً” هو أقرب للتصوير العلمي للحظة التي يفقد فيها قائد ما السيطرة على إيقاع المعركة. ترامب راهن على حرب خاطفة لتعزيز صورته الانتخابية، فإذا به يواجه حرب استنزاف مكتملة الأركان، ليس في أوكرانيا بل في الخليج.
قبل أيام، وأنا أراجع أرشيف أزمة السويس، شعرت بقشعريرة. عام 1956، خرجت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل “لتأديب” عبد الناصر بعد تأميم القناة. في البداية بدا الأمر نصراً عسكرياً ساحقاً. ثم جاءت الضغوط الأمريكية والسوفيتية، ولكن الأهم: جاء إدراك لندن أن الحرب لم تعد تحقق أهدافاً سياسية، وأن “القوة العظمى” أصبحت مكشوفة. خلال أشهر، انهار الهيمنة البريطانية في الشرق الأوسط كبيت من ورق.
أنا أرى التشابه اليوم بوضوح مؤلم:
أمريكا 2026 تعلن تفوقها الجوي، ثم تكتشف أن خصماً إقليمياً قادراً على إسقاط طائراتها وضرب قواعدها.
أمريكا تريد “حرباً جراحية”، لكنها تجد نفسها غارقة في بيئة قتال معقدة ضد عدو يتقن فن التعطيل.
أمريكا 2026 تريد ردع إيران، لكنها تخرج بعد أيام تطلب وقف إطلاق نار لمدة 48 ساعة، فتسمع من طهران: “لا”.
إذا لم يكن هذا هو مشهد “إمبراطورية تبحث عن مخرج دون أن تفقد ماء وجهها”، فأنا لا أعرف ما هو.
ويلكرسون يذهب أبعد: يقول إننا سنكون شهوداً على “سقوط الإمبراطورية الأمريكية في شهرين أو ستة أشهر بالكثير”، وهذا العار سيحمله ترامب ومؤيدوه حتى قبورهم.
هنا، اسمحوا لي أن أكون دقيقاً: الاتجاه صحيح، لكن السرعة مبالغ فيها.
الإمبراطوريات لا تسقط بالكامل خلال أشهر، إلا إذا تعرضت لصدمة نووية أو انهيار مالي مفاجئ. أمريكا اليوم ليست بريطانيا بعد الحرب العالمية الثانية التي خرجت مفلسة. الاقتصاد الأمريكي ما زال ضخماً، والدولار ما زال مهيمناً نسبياً، والقواعد العسكرية منتشرة في 80 دولة.
لكن ما يحدث هو “لحظة كشف” وليس “لحظة سقوط”. إنها اللحظة التي يدرك فيها العالم أن أمريكا لم تعد قادرة على فرض إرادتها عسكرياً بمفردها، وأن “الردع الأمريكي” أصبح له حدود واضحة. وهذا الكشف، إذا استمر، سيسرع من تحولات جيوسياسية هائلة:
الدول الخليجية ستعيد حساباتها أسرع مما تتوقع.
روسيا والصين ستجدان مساحات أوسع للمناورة.
حلفاء أمريكا في آسيا وأوروبا سيبدأون بالتشكيك في جدوى “المظلة الأمريكية”.
لا، لن تستيقظ أمريكا غداً وقد سقطت إمبراطوريتها. لكنها ستستيقظ خلال السنوات القليلة القادمة على واقع مر: أنها لم تعد القطب الأوحد، وأن عصر “الذهاب حيث نريد متى نريد” قد ولّى.
ترامب قد لا يحمل العار إلى قبره شخصياً، لكن جيلاً كاملاً من صنّاع القرار الأمريكي سيرث هذه الكارثة.
أما إيران، فهي لم “تنتصر” بالمعنى التقليدي، لكنها فعلت شيئاً أكثر أهمية: كسرت قداسة التفوق العسكري الأمريكي أمام العالم. وهذا الكسر، بمجرد حدوثه، لا يُرمم.
نحن أمام مشهد طويل الأمد، لن ينتهي في 6 أشهر، لكن بذوره التي نراها اليوم هي بالضبط ما سيرويه المؤرخون بعد عقدين كـ”بداية النهاية”. الفارق الوحيد أن هذه المرة، الوهم السياسي قد صمت طويلاً لدرجة أن التفاصيل العسكرية صارت تصرخ في وجهه. وهذه الصرخة… لا تُرد.
ككتلة واحده متماسكة..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى