كتاب وشعراء

ما بين الثقافة والادّعاء……بقلم حسين الغزي

في المجتمعات الخارجة من الدكتاتورية، لا يحدث الانتقال مباشرةً إلى الوعي، بل تنزلق نحو فوضى يتخفّى فيها الجهل بثوب الثقافة. المشكلة لا تكمن في سقوط المستبد، بل في بقاء عقليته داخل الأفراد، حيث يُعاد إنتاجها بأشكال جديدة تدّعي الحرية.
الثقافة ليست ألفاظًا ولا شعارات، بل سلوك ووعي ومسؤولية. هي القدرة على إدارة الاختلاف، وممارسة الحرية دون فوضى، والمساهمة في البناء لا الهدم. لكن بعد انهيار القمع، يرتفع الصوت على حساب الفكرة، ويُختزل معنى الحرية في الكلام لا في الفعل، فيتحول المجتمع من صمتٍ مفروض إلى ضجيجٍ فارغ.
في هذا الفراغ، يظهر مدّعو الثقافة؛ يتحدثون عن الحرية وهم لا يحتملون الاختلاف، ويدعون إلى المشاركة وهم يحتكرون القرار. هؤلاء لا يبنون مجتمعًا، بل يعيدون إنتاج الاستبداد بصورة أكثر خداعًا.
الفرق بين المثقف الحقيقي والدخيل ليس في المعرفة، بل في الأثر. فالمثقف يُقنع ويحاور ويسعى للحقيقة، بينما الدخيل يستخدم الثقافة كوسيلة للهيمنة والاستعراض. ومع غياب هذا الوعي، تتحول القيم إلى شعارات، والسياسة إلى صراع، والعلم إلى واجهة بلا عمق.
الخطر الأكبر ليس بقايا الاستبداد، بل غياب الثقافة التي تمنع عودته، لأنه نمط تفكير يتكرر بأشكال مختلفة. لذا، فإن الحرية دون ثقافة تتحول إلى فوضى، وتفتح الباب لعودة القمع.
البناء الحقيقي يبدأ بتغيير المفاهيم، لا الأشخاص. حين تصبح الثقافة ممارسة يومية تُقاس بالأثر في السلوك ونضج المجتمع، يمكن عندها فقط التمييز بين من يبني ومن يهدم.
والمأساة حين يعجز المجتمع عن هذا التمييز… فيسلّم أمره لمن لا يستحق، ويعيش وهم أنه يتقدّم.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى