
لم أعرف بماذا أجيب الصحفي الشاب الذي أصر أن يعرف سبب عدم وجودي في حزب ناصري ! ، وكلما ابديت أسبابي ، واصل حصاري بأسلوب يقترب من أساليب محاكم التفتيش.
واقع الأمر أصبحت أتفادي قدر الإمكان مناقشة ما يبدو لي كبديهيات، وذلك بعد عمر أمضيت شطرا كبيرا منه في ارتكاب هذا الخطأ .
فما أعده أساس فلسفي وفكري ، قد لا يراه البعض كذلك ، وما قد يعتبره البعض أساساً فلسفياً ، قد لا أجده أساسا كافيا ، أو ربما نظرت إليه بإعتباره مجرد عرض لا ثبات فيه قد تجاوزته الأحداث .
والبديهيات التي أعنيها ، ليست الدوجما المتصلبة ، وإنما مجموعة القواعد التي يستند إليها البناء الفكري في زمان ومكان محدد ، فهي تدوم دوام بقاء هذه الظروف.
علي سبيل المثال من الصعب إحتجاز مفهوم الإلتزام الوطني داخل قميص من الحديد ، يحمل إسما أو رمزا أو فترة أو أيديولوجية ، فذلك تضييق يؤدي إلي عصبية مقيتة ، تهزم معني الفكر ذاته ، وإن كان من الممكن دائما أن يكون الإسم أو الرمز أو الأيديولوجية مجرد إشارة إلي اتجاه .
وكل إنسان حر فيما يدعيه لنفسه ، ولكنه ليس بنفس القدر من الحرية حين يدعيه علي الغير ، فالقانون قد يمنع ، والأخلاق قد تنصح، ويكفيك القدر الذي تحتجزه لنفسك حتي ولو كان ذلك القميص الحديدي !.
لذلك أصبحت أيضاً أقل إحتدادا عندما ” يتهمني ” البعض ب”الناصرية ” ، ويقدم الإتهام الكتالوج المحفوظ لكل صحيح وباطل في التجربة الناصرية ، وكنت في شبابي أنفعل بشدة واستخرج بدوري كتالوج نفس التجربة بما حملته من وجهة نظري من إنجازات خاصة في المجال الإقتصادي والإجتماعي والثقافي ، وتظل المبارزة محتدمة دون أن يفكر كلانا في استعارة بعض ما لدي الآخر كي نتوصل إلي فهم موضوعي غير مشبوب بالعواطف والنوستالجيا.
وذات مرة ، وجدتني في منتدي ناصري بإمتياز ، حين احتدم خلاف حول بعض البديهيات اهتف قائلا : ” الناصرية ليست ديانة نتعبد بها …ولو بُعث عبد الناصر اليوم من قبره لما كان ناصريا بمفهومكم “..
وعندما انتقدت ما كان يقوم به بشار حيال الشعب السوري من جرائم أدت إلي موت عشرات الآلاف وسجن أمثالهم وفرار أربعة ملايين سوري من البلاد …فوجئت ببعض رفاق القوميين العرب يسارعون بالتبرؤ مني ، وينزعون عني “تاج الناصرية ” !!..
وجدتني اصمت بعد أن مللت تكرار البديهيات ، دون أن أدعي لنفسي إحتكار أي حقيقة ، ولكن في السياسة يفترض أن الأفكار تتلاقح وتتلاحق ، وتكتسب حياة متجددة تعكس حيوية الفكر الإنساني .
أرجو أن أكون قد أوضحت للصحفي الشاب الرد الكافي لسؤاله ، أو لتحقيقه معي .