
في الحروب القديمة، كان السؤال بسيطًا: من يملك دبابات أكثر؟ ومن لديه طائرات أحدث؟
لكن في الشرق الأوسط اليوم، لم يعد هذا السؤال كافيًا. فالحرب لم تعد اختبارًا للقوة التقليدية، بل اختبارًا لقدرة الدول على الصمود تحت الضربات، وإدارة الأزمات المركبة، وإعادة إنتاج الردع في بيئة غير متكافئة.
هنا تبدأ الرحلة الفكرية. دعنا نتخيل أن الأدوار تبدلت: مصر هي من تدير شبكة وكلاء، ومصر هي من تمتلك مشروعاً إقليمياً طموحاً، ومصر هي من تواجه تفوقاً جوياً إسرائيلياً-أمريكياً.
كيف كانت ستبدو الحرب؟
أولاً: نقاط القوة التي كانت لتصب لصالح مصر
1. العمق الاستراتيجي الحقيقي
على عكس إيران التي تعاني من تهديدات داخلية وانقسامات عرقية، مصر تمتقلب مساحة شاسعة، وسكان يتجاوز 110 ملايين، ووحدة وطنية نادرة في المنطقة. هذا العمق يعني قدرة على تحمل الاستنزاف لفترة أطول بكثير من إيران.
2. موقع جغرافي يتحكم في شريان الطاقة العالمي
مصر ليست إيران. إيران تطل على مضيق هرمز فقط. أما مصر فتمتلك قناة السويس، وتمتد على البحر المتوسط والبحر الأحمر. أي صراع تشارك فيه مصر يعني توقف فوري لحركة الملاحة في أحد أهم ممرات العالم. هذا سلاح اقتصادي هائل لا تمتلكه إيران.
3. مؤسسة عسكرية أكثر تنظيماً وانضباطاً
الجيش المصري ليس الحرس الثوري. هو مؤسسة بيروقراطية هرمية، ذات عقيدة واضحة، وخبرة طويلة في إدارة العمليات الكبيرة. في حرب طويلة، التنظيم والإمداد واللوجستيات تفرق بين البقاء والانهيار.
4. علاقات إقليمية أكثر توازناً
لمصر علاقات دبلوماسية مع معظم الدول العربية، واتفاقية سلام مع إسرائيل، وشراكة استراتيجية مع الولايات المتحدة. لو كانت مصر هي “الخصم”، لكانت واشنطن في موقف محرج: كيف تقصف دولة هي حليف تقليدي؟
ثانياً: نقاط الضعف التي كانت لتنهار عندها مصر
1. الافتقار إلى نموذج “الحرب بالوكالة”
إيران بنت شبكة وكلاء على مدار 40 عاماً. حزب الله، الحوثيون، فصائل عراقية، هذه الشبكة لا تُبنى بين عشية وضحاها.
مصر ليس لديها هذه الشبكة. ليس لديها “حزب الله مصري” في لبنان، ولا “حوثيون مصريون” في اليمن. لو كانت مصر مكان إيران، لحاربت بمفردها، دون جبهات متعددة تشتت الخصم.
2. غياب التجربة في الحرب غير المباشرة
الجيش المصري جيش تقليدي: يحب الخطط الواضحة، والأهداف المحددة، والنصر المحسوم. حرب الإيقاع والاستنزاف تعاكس عقيدته. التدريب المصري لم يركز على “كيف نبقى في الحرب طويلاً”، بل على “كيف ننهيها بسرعة”. في مواجهة مثل التي خاضتها إيران، كانت مصر ستجد نفسها غير مستعدة ذهنياً وتكتيكياً.
3. التبعية العسكرية للخارج
60% من الترسانة المصرية أمريكية الأصل. هذه الأسلحة تحتاج إلى قطع غيار وصيانة وتدريب أمريكي. لو دخلت مصر في مواجهة مع إسرائيل (الحليف الأول لواشنطن)، فإن أمريكا ستوقف فوراً أي دعم عسكري لمصر. خلال أسابيع، نصف الجيش المصري سيتحول إلى خردة.
هذه هي الورقة الرابحة التي تمتلكها أمريكا على مصر: ليست العقوبات، بل قطع الغيار.
4. الاعتماد على قناة السويس كمصدر اقتصادي
70 مليار دولار سنوياً هي عائدات قناة السويس في السنوات الجيدة. أي حرب تعني توقف الملاحة، وتوقف الملاحة تعني انهيار أحد أهم مصادر العملة الصعبة لمصر. الدولة التي تواجه حرباً وتفقد 70 مليار دولار في نفس الوقت لا تصمد طويلاً.
5. غياب الردع الصاروخي المتقدم
إيران تمتلك آلاف الصواريخ الباليستية التي يمكنها إغراق الدفاعات الجوية. مصر تمتلك صواريخ أقل عدداً وأقل مدى وأقل دقة. في حرب الاستنزاف، القدرة على “الردع بالمثل” (تدمير عمق الخصم إذا ضرب عمقك) هي التي تمنع التصعيد. مصر لا تمتلك هذا الردع بالقدر الكافي.
ثالثاً: كيف كانت ستنتهي الحرب لو كانت مصر مكان إيران؟
السيناريو الأكثر ترجيحاً: سقوط استراتيجيًا وليس نصراً
لنفترض أن مصر قررت، لسبب ما، أن تدخل في مواجهة مباشرة مع إسرائيل (وهو سيناريو افتراضي شبه مستحيل سياسياً، لكننا نناقشه عسكرياً).
الأسبوع الأول:
إسرائيل تشن ضربات جوية دقيقة على البنية التحتية العسكرية المصرية (قواعد جوية، بطاريات دفاع جوي، مراكز قيادة).
مصر ترد بصواريخ أرض-أرض نحو أهداف في إسرائيل، لكن الدقة محدودة، والاعتراض الإسرائيلي عالٍ.
قناة السويس تتوقف. الاقتصاد المصري يبدأ في الانهيار من اليوم الثالث.
الأسبوع الثاني:
أمريكا تعلن وقف كل المساعدات العسكرية لمصر. قطع الغيار تنفد. الطائرات المصرية تبقى على الأرض.
مصر تحاول فتح جبهات أخرى (مثل تحريك فصائل في سيناء أو غزة)، لكن ليس لديها شبكة وكلاء جاهزة.
·الداخل المصري: ضغط اقتصادي هائل، لكن الوحدة الوطنية تمنع الانهيار السريع.
الأسبوع الثالث:
إسرائيل تحقق تفوقاً جوياً كاملاً.
مصر تطلب وقف إطلاق النار بشروط إسرائيلية.
النتيجة: سقوط استراتيجي لمصر، وتراجع دورها الإقليمي لعقود.
لماذا فشلنا في فهم الحرب حتى الآن؟
الخطأ الأول: ننظر إلى الجيوش وحدها
نحن نرى جيشاً مصرياً كبيراً فنظنه قوة إقليمية كبرى. ننسى أن الحرب اليوم لا تُخاض بالجيوش التي تراها، بل بالأنظمة التي لا تراها: شبكات استخبارات، بنية تحتية سيبرانية، وكلاء في دول أخرى، قدرة على الصمود النفسي.
الخطأ الثاني: نخلط بين القوة العسكرية والنفوذ السياسي
مصر تمتلك قوة عسكرية لكن نفوذها السياسي محدود. إيران تمتلك قوة عسكرية أقل لكن نفوذها السياسي يمتد من طهران إلى بيروت إلى صنعاء. الفرق أن إيران حوّلت قوتها إلى أدوات نفوذ، ومصر أبقت قوتها داخل ثكناتها.
الخطأ الثالث: نعتقد أن الحرب دائماً قرار
أكبر خطأ: نعتقد أن الدول تختار الحرب عندما تكون قوية كفاية. الحقيقة أن الدول غالباً تُجر إلى الحرب بفعل تراكم تصعيدي لا تتحكم فيه بالكامل. حرب الأربعين يوماً لم تكن خطة إيرانية محكمة، بل كانت رد فعل على تصعيد امريكي- إسرائيلي، ثم تطورت إلى نموذج كامل لإدارة الصراع.
الدرس الأهم: أن تمتلك جيشاً كبيراً لا يعني أنك قوي في الحرب الجديدة. القوة الحقيقية أصبحت في القدرة على تغيير قواعد اللعبة، لا اللعب ضمن قواعدها. والقدرة على تحمل الاستنزاف، لا القدرة على توجيه الضربة الأولى.
.المقارنة مع إيران الحقيقية:
لو كانت مصر مكان إيران، الحرب كانت ستنتهي بسرعة أكبر وبخسائر أكبر لمصر. ليس لأن الجيش المصري أضعف، بل لأن النموذج الإيراني (شبكات وكلاء، صواريخ باليستية كثيفة، صبر استراتيجي طويل) هو النموذج الوحيد المناسب لهذا النوع من الحروب. والنموذج المصري (جيش تقليدي، دفاع حدودي، اعتماد على الخارج) غير مناسب له.
هذا ليس تشاؤماً، بل واقعية. والواقعية هي أول خطوة لتطوير عقيدة عسكرية تناسب القرن الحادي والعشرين، لا القرن العشرين.
هنا اتسأل كيف يمكن لمصر أن تبني نموذجاً هجيناً (تقليدي + غير مباشر) يناسب موقعها وإمكاناتها؟
السؤال الأهم: كيف تبني مصر نموذجًا مناسبًا؟
الإجابة ليست في تقليد إيران، ولا في منافسة إسرائيل على نفس الأدوات، بل في بناء نموذج هجين:
دمج بين قوة الدولة التقليدية، ومرونة الأدوات الحديثة.
هذا يعني:
تطوير قدرات مسيّرات وأنظمة غير مأهولة
بناء بنية سيبرانية واستخبارات لحظية
إنشاء شراكات مرنة بدلًا من شبكات وكلاء دائمة
توظيف الموقع الجغرافي كأداة ردع اقتصادي
الخلاصة
ما كشفته هذه الحرب ليس من الأقوى… بل من يفهم شكل الحرب.
لم يعد الانتصار لمن يملك أكبر جيش،
ولا لمن يضرب أولًا،
بل لمن يستطيع أن يبقى… ويُبقي خصمه في حالة استنزاف مستمرة.
الجيوش لم تختفِ، لكنها لم تعد تقود المشهد.
المشهد تقوده القدرة على إدارة الإيقاع.
ومصر، بكل ما تملكه، ليست خارج هذه المعادلة…
بل تقف على أعتاب إعادة تعريف دورها داخلها.
….
المسألة ليست حربًا… بل قدرة على الاحتمال
النتيجة الصادمة لهذه التجربة الفكرية ليست أن مصر “أضعف”، بل أن نموذجها الحالي غير مصمم لحرب من هذا النوع.
لكن الأهم: هذا السيناريو ليس هو الخطر الحقيقي.
الخطر الحقيقي هو أن تظل الدولة غير مستعدة لصدمات قد لا تختارها، لكنها ستتأثر بها حتمًا.
في عالم تتغير فيه قواعد الحرب، لم يعد السؤال:
من الأقوى؟
بل:
من يستطيع أن يبقى واقفًا عندما تبدأ الأمور في الانهيار؟
والفرق بين دولة تستعد، وأخرى تفاجأ،
هو الفرق بين أزمة تُدار… وانهيار لا يمكن احتواؤه.