
وتمضي بهم الأيام مضي الذكريات لا تنتظر ولاتعطي اهتماما لأحد .. يشكلون تفاصيل الحياة بوجهات نظر مختلفة ، يخضعون بلا هوادة نحو المجهول…يبحثون عن أنفسهم في الآخر مُهملين تلك الجزئيات البسيطة القاطعة التي تجعل القيود لا متناهية…صعب أن يذعنون في البحث و هم بجهلون كل شيء عن هذا الآخر الذي يسكن دواخلهم . حتى إلى وقت قريب كان يظن أنه يعرف نفسه جيداً ، الوقت ذاك كان مختلفا ، وكان محطة كبيرة من حياته لم يسأل يوما فيها ذاته عن ما الذي يحبه و ما الذي يكرهه.؟!لحظات كثيرة كان يودّ فيها بـ البوح فيصمت و يقتل الصمت فيه الكلام .. أعلن التمرد ، يغيضهُ الكلام.. فـ يميل الى البوح .. الصمت لوقت أضحى سيداً ، سكن لسانه أسكتهُ عن الكلام و عدم السؤال .. لما تصمت ؟ سؤال راوده كثيرا وهو يُجلد بدون هوادة دون أن يصرخ في وجه جلاده هذا لا يليق.. ربما لأن الجلد كان أقوى و عمرهُ لم يكن يسمح بالكلام .. بلغ السادسة من عمره ، كان جسده النحيل يُنبئ بأمراض كثيرة كان يحملها و هذا ما يجعل الآخر لا يلاحظه ، دخل المدرسة دخول الأبطال ، كان يتحصل على نتائج جيدة العام تلو الأخر ، وكان هذا مبعث فخر والديه اللذان كانا لا يملان من تصفح الجوائز التي كان يحصل عليه ، ممطرين إياه بدنانير عند كل تفوق … واشتد المرض به يوماً.. حيث ظهرت بثرة في وجهه انتفخت وأحتقنت بالقيح..ارتفعت حرارته و انقطع عن الدراسة لأيام كاملة ، استأنف بعدها لم يلحظَ أحد غيابه..لكن عودته هذه كان مزعجة لكائن صغير في القسم أبدى استياءه من الرائحة البغيضةالمنبعثة من بثرة وجهه المريض…وتلاحقت المستجدات بشكل متسارع ، تناول الأستاذ من محفظته زجاحة عطْر وراح يُعطر جو القسم …شَعر حينها بتصاعد ضربات قلبه ولم يَقْـوٓ على رفع نظره من على الكراس…كان يشدّ على وجهه بدون وعي، و ازداد اصرار ذاك الكائن الصغير بأن الرائحة المقيتة لا زالت قوية.. كانت خُطى أستاذه تقترب منه شيئا فشيئاً ليُرفع كما يرفع الأثاث خارج قاعة القسم ، كان يقبض به من شعر رأسه لـ يُرمى به بعد ذلك رمياً خفيفاً من أعلى السلالم .. قائلا له لا ترجع إلا بعد أن تُشفى..استقر به الحال كـ رزمة في الدرجة الثالثة منها ، لم يرفع نظره إليه ليس خوفا ..ولكن لأنه حينها لم يكن يشعر بشيء ، كانت مشاعره متبلدة..لقد انكسر شيء ما بداخله لم يكن يعرف كنهه..انصرف وحمل ذاك البعض المُتبقي منه و اتجه نحو المنزل .. كانت كرامته تَنقح نَقْح القِيح في وجهه ، متبعثرة فيه ، دخل البيت دخول المطرود من الجيش ، رمى بمحفظته و انهلّ تمزيقا في دفاتره وضربا في وجهه المريض لِيستقر غضبه في الأخير على ما تبقى من أدويته…كانت أمه تنظر اليه بذهول.. نوبات غضبه كانت تُخيفها لأنها كانت تعرف نتائجها كما تعرف أن أسبابها تكون في الغالب قاهرة ، كانت تستفسر منه.. هل ضربك أحد ؟ مجيبة نفسها من ضربك سأقتص لك منه . لماذا لم تُخبر الأستاذ بذلك؟ لماذا غاردت المدرسة ؟ كم أنت عنيد؟ فصرخ في وجهها أنا لا أريد هذا الوجه ، واسترسل في عرض تفاصيل ماحدث له.. بدأت ملامح أمه تتغير لـ يُزاح الستار عن دمعة عَصية حاولت اخفاءها دون نجاحها المعتاد في السيطرة على أعصابها أمامهم…تصلّبَ عودها فجأة وبدأت تصيح في وجه أخيه المسكين.. اختزلت ماحدث له بشكل غريب آمرة بأرجاعه للمدرسة ، متوعدة بغلقها إن لم بنتصف مديرها لطفلها ، وهي تردد “صحيح من أشراط الساعة ان تُنزع الرحمة من القلوب” بعد أيام عاد الى المدرسة بعدما شُفي وحصل على جائزته المعتادة…لكن الشرخ لا زال بداخله . لأنه لم يقوٓ على البوح لأستاذه ان هذا لا يليق برجل تربية وتعليم.. لأن سقوطه للدرج الثالث من السلالم هو سقوط لكل القيم المنشودة التي من المفروض ان تزرعوها أنتم بدواخلنا.. ورائحة الجهل المتعفنة فيها والتي نجهلها .. هي أقوى من أي رائحة كريهة يصدرها أي عضو فينا.. المرض فينا أشد و التخلص منه لن يكون بتجاهل مشاعرالآخر.. وراح يقول” أحبك أستاذي لكن للأسف لم احترم تصرفك ذاك” وبأعلى صوته الصارخ أعلن لٍن يُخيَّم الصمت بعد اليوم على كل حالة ظلم قد تسبب ألم ..!!