
عَنْ أَهْلِينَا، وَعَنْ أَحِبَّتِنَا،
نَسِيرُ فِي لَيْلِ الفِرَاقِ كَمَا السُّرَى،
وَيَضِلُّ فِينَا الضَّوْءُ، وَيَغْفُو فِينَا النَّبْضُ،
وَيَسْكُنُنَا وَجَعُ السُّكُوتِ إِذَا انْكَسَرْنَا فِي الدُّعَاءِ…
فَمَتَى تُرْسِلُ عَلَى شَطْآنِكِ سَفِينَتَنَا؟
وَمَتَى نَؤُوبُ
إِلَى الدُّرُوبِ
لِوَطَنِنَا الحَبِيبِ،
لِيَسْتَرِيحَ القَلْبُ… وَيَطِيبْ؟
مَتَى نُقَبِّلُ تُرَابَهُ بِأَكُفِّنَا،
وَتَضْحَكُ العَيْنُ الَّتِي بَكَتِ الغِيَابْ؟
مَتَى يُنَادِي المَنْفَى: عُدْ،
فَنَزْهُو بِالطُّرُقَاتِ كَالأَطْيَافِ،
وَيُزْهِرُ فِي الحَنِينِ شِهَابْ؟
يَا أَرْضَنَا…
كَمْ فِيكِ مِنْ دَعَوَاتِ أُمٍّ
أَنْ يَرْجِعَ الطَّيْرُ الَّذِي رَحَلَ،
وَيَمْسَحَ الدَّهْرُ مَا فَعَلَ،
وَيُورِقَ العُمْرُ فِي الضُّلُوعِ وَفِي التُّرَابْ…
نَحْنُ الغِيَابُ، وَنَحْنُ فِي المِيعَادِ نَصْطَبِرُ،
وَنَكْتُبُ الأَسْمَاءَ فِي الأَمْوَاجِ، نَنْتَظِرُ،
فَمَتَى يَعُودُ الصَّوْتُ يَصْدَحُ فِي الدِّيَارْ؟
وَيُقَالُ: هَؤُلاَءِ الرَّاحِلُونَ… قَدْ رَجَعُوا،
وَنَغْرِسُ البُسْتَانَ فِي قَلْبِ النَّهَارْ…
وَنُشْعِلُ الأَفْرَاحَ فِي نَبْضِ الجِدَارْ،
وَنَرْفَعُ الأَعْلَامَ فِي سَاحَاتِ قُرَانَا،
وَيَعُودُ ضَحْكُ الجَارِ يَسْبِقُ خُطْوَتَنَا،
وَيَرْقُصُ الغِيمُ البَهِيُّ عَلَى السُّطُوحْ،
وَتُفَتِّحُ الزَّهْرَاتُ فِي أَكُفِّ الرُّوحْ…
يَا أَرْضَنَا،
كُنَّا غُيُوماً مُنْفَطِرَةً،
تَسِيرُ فِي الآفَاقِ،
لَا تَجِدُ الوُجُوهَ الَّتِي تَحْفَظُهَا،
وَلَا الدُّرُوبَ الَّتِي تَفْهَمُ خُطَاهَا…
كُنَّا كَظِلٍّ لِصُبْحٍ لَمْ يَجِئْ،
نَبْكِي عَلَى أَسْوَارِ ذَاكِرَتِنَا،
وَنَكْتُبُ أَسْمَاءَنَا عَلَى أَكُفِّ الهَوَاءِ،
وَنَنْسَى مَنْ نَكُونْ…
فَمَتَى يَعُودُ الوَقْتُ لِي؟
مَتَى يُطَهِّرُنِي الوَطَنُ مِنْ دَمْعِي؟
مَتَى تَخْرُجُ الزَّغَارِيدُ مِنْ حُلُوقِ الجُدَّاتِ،
وَيَنْزِلُ القَمَرُ عَلَى الشُّرُفَاتِ
يَقُولُ: هَاهُمُ القَادِمُونَ؟
نَحْنُ الرُّسُلُ مِنَ الحَنِينِ إِلَيْكَ،
نَأْتِي كَالمَطَرِ الَّذِي يَسْقِي جِرَاحَكِ،
نَأْتِي وَفِي عُيُونِنَا صَلَوَاتُ الوَصْلِ،
وَفِي جُيُوبِنَا تُرَاتِيلُ الطُّفُولَةِ،
وَعَلَى كَتِفِ الشَّوْقِ نُحَمْلُ أَوْجَاعَنَا،