
بين جدران الزنزانة رقم 10، طالما استدعيتها كثيرا ، وقد حرمت من القراءة والكتابة ..
هذه اليوميات التي هي جزء من يوميات الغربة ، تحمل دائماً أمتعتها ، جواز سفرها ، وتذاكر الطائرات ، تحمل الشوق لأرض الوطن ، القلق من اللحظة التالية ، الحنين إلي الإستقرار ، ولا شك في أنها ستكون يوميات قلقة ، تتطلع حولها وخلفها وأمامها ، علها تجد إجابة شافية للسؤال المحلق أبداً في الأفق حول معني الرحيل وجدواه ، حول الأمل في المستقبل والحنين إلي الماضي ، حول الحب في عالم فقد عواطفه ، حول الوطن حين يصبح شوكة في الحلقوم ومرارة في اللعاب ، ومع ذلك أملاً يشرق مع كل صباح في وطن جديد ..
سطور كتبتها ، أو كتبتني .. بعضها خططته في صالة ترانزيت بأحد المطارات ، أو في جوف طائرة تحلق بي فوق السحاب ، وأحيانا في لحظات شرود أو صمت داخل مؤتمر دولي ، أو في لحظات تأمل علي شاطئ بعيد تستدعي لطمات أمواجه لوحات ملونة للوطن البعيد ..
سطور تتفرق جغرافيتها وتاريخ كتابتها ، ويجمع بينها أنها دفقات لنفس القلب ، وعزف لنفس المحبوبة .. سطور أستنزفتها من شرايين أيام السفر الطويلة …
ليس الإغتراب وحده ، فالحياة كلها غربة ، وإنما شيئ أعمق من مجرد الإنتقال المادي بالجسد ، شيئ يشبه الجرح المفتوح الذي ينزف أيامنا وأزمنة وأعماراً ..
لماذا تركنا الوادي الخصيب في المقام الأول ؟ .. سؤال محير يسأله كل مهاجر ، وتتعدد الإجابات ..
هل لأن الوادي لم يعد خصيباً كما ورثناه ؟ ، أم لأننا – لأسباب عديدة – فقدنا الثقة فيه ؟ ، هل نسافر لأن الصمغ الذي كان يربطنا تحلل فتفككنا ؟ ، وما هي مادة هذا الصمغ ، وهل نستطيع صناعته ؟؟ .. أسئلة كثيرة ، وإجابات أكثر غموضاً من الأسئلة ! .
أن العدو ليس في أي مكان خارجنا ، أنه يعيش معنا ، يقاسمنا الفراش ، يتحرك بحرية في أحلامنا .. نتوهم الخلاص ، وبلا جدوي نقاوم الحقيقية ، لقد انتهت المقطوعة الأخيرة وانصرف الموسيقيون والجمهور ، ولا يزال المايسترو هناك في الظلام والصمت ، يحرك أنغاماً بأصابعه وينفعل ويهتز وينحني للهتاف والتصفيق الذي لا يسمعه أحد غيره .
أنادي النهر القديم …
لماذا لا تروي تلك الحكاية التي يخافون جميعاً من روايتها ؟ .. لا أريد سوي أن أعرف أين ضاعت الأحلام ، وكيف سرقوا أعمارنا منا ؟ ..
وهذا البلد الأمين ، والتين والزيتون وطور سنين ، وشهداء الحرب ؟؟ ..
أين السيف الذي لم يخسر معركة ، والقلب الذي لم يضخ غير الحب ..
أين أنا ؟؟ أين ذاكرتي .. هل انتهي كل شيئ فعلاً ؟؟
خطو العسس فوق الجدار الذي لا أراه ثقيل ، والقلب عليل ، والدمعات تحجرت في الأحداق ، وهي هناك في الحانة بين السكاري ، لا تتذكر منه سوي عاشق كان لها بين آلاف العشاق ، ذبحته بيديها ثم دعته علي منضدتها في العشاء كي تأكل قلبه المشوي .
لم يصدق أنها هي تلك التي حفر صورتها في شرايينه ، ولم يرها أبداً إلا مجنحة تحلق بين الملائكة ، كانت تتحدث بشكل عادي مبتذل ، لم تنظر في عينيه وسيارة الترحيل تحمله مكبلا .. ، لا ..لم تكن تهرب من نظراته وإنما هو بالفعل لم يعد يمثل لها أبداً أكثر من عاشق أدمن الوهم والخيال ..
تلك رسائلي في الغربة ، وهي يا أميرتي لم تصلك أبداً .. صارت بلا نفع سوي كتذكار ، حفظتها عن ظهر قلب من كثرة القراءة والتكرار .. كلمات شوق ورغبة ، خوف ورهبة .. وعذاب انتظار ..
حبي لهذه الأرض هو تلك الرسائل ، ففيها تاريخ مشاعري المكتوب ، فيها فرحة الشروق ودمعة الغروب.. التقينا فوق سطورها أضعاف ما التقينا ، وفيها تعانقنا ، ضحكنا ، بكينا ، وبها بيتي الذي لم يجمعنا .. حبي هو تلك الرسائل ، فخارج سطورها أنت امرأة غريبة ، وأنا رجل غريب ، بلا قصة ولا تاريخ ، ولا حبيبة ولا حبيب !.
لو عرفت يوماً كيف أنت في رسائلي ، لتمنيت أن تسكني بين سطوري !
ظللت تركضين كالسراب في عيون العاشقين ، تلعبين بالقلوب قبل أن تحطميها ، تسخرين من الهوي والمغرمين ، في كل ليلة من ليالي صيف شبابي وشتائه ..
كنت في صومعتي أكتب عنك وإليك ، رسائلاً لم تصلك أبداً ، رسائلاً كنت أناجيها وتناجيني ، تراقصني وأراقصها ، وتخرجين منها عارية دافئة لنسهر إلي جوار النهر نرقب المراكب العائدة بالغائبين في الشمال ، نحمل الندي في عيوننا حين تجيئ لحظة الرحيل ، ودائماً قبل سطر الختام يتوهج الأمل كلؤلؤة ..
في الزنزانة المظلمة ، دفنت كلماتي ، واريتها التراب دون دمعة حزن ولا أسي ..
ما جدوي الكلمات إذا لم تفعل ، ما فائدة الفصاحة الخرساء فوق السطور ، وها هو العمر يترنح في درب الخريف ، أوشك أن يسقط مثل كل الأوراق الذابلة التي يكتظ بها الدرب ، والعاصفة تطوح بالباقي من الآمال ، تدفعها إلي بعيد ، خارج المسافات والأزمان ، خارج الممكن والمستحيل ، والباقي من العمر بعض من العبث قليل .
كل شيئ جاء في غير موعده .. الجمال الذي كنت أبتغيه ويملأني في أبسط مظاهر الطبيعة ، لم يعد يثير شهوة الحياة في شراييني التي تموت ، قد انتهي الدور ، انفض الرواد ، انطفأت الأضواء ، وفي هذا القبر البارد المظلم قدري أن أموت ! ..
هذا الغباء الذي ندعيه حياة لا معني له ، لقد خدعنا أنفسنا ، لا جدوي الآن من محاولة إصلاح ما انكسر ، لأن الزمن لا يلتئم ، والقلب إذا وهن لا تحييه قوة نبضات جديدة بل هي تقتله ! ..
لم يعد هناك الأمل الذي يأتي قبل سطر الختام وكأنه صحوة الموت ، لأن الحياة لم تعد سطوراً منذ ان انتهي كتابها وتواري تحت التراب ..
قبل الرحيل .. يبقي الفالس الأخير .. ” كلمات ترقص الفالس ” .. سطرتها في صحيفة أمريكية مهجرية وجذبت أبناء الضاد كي يرقصوا معها .. والآن في قبو الوحدة لا أجد غيرها كي اراقصها ….