رؤي ومقالات

السفير معصوم مرزوق يكتب :فالس منفرد !

بين جدران الزنزانة رقم 10، طالما استدعيتها كثيرا ، وقد حرمت من القراءة والكتابة ..
هذه اليوميات التي هي جزء من يوميات الغربة ، تحمل دائماً أمتعتها ، جواز سفرها ، وتذاكر الطائرات ، تحمل الشوق لأرض الوطن ، القلق من اللحظة التالية ، الحنين إلي الإستقرار ، ولا شك في أنها ستكون يوميات قلقة ، تتطلع حولها وخلفها وأمامها ، علها تجد إجابة شافية للسؤال المحلق أبداً في الأفق حول معني الرحيل وجدواه ، حول الأمل في المستقبل والحنين إلي الماضي ، حول الحب في عالم فقد عواطفه ، حول الوطن حين يصبح شوكة في الحلقوم ومرارة في اللعاب ، ومع ذلك أملاً يشرق مع كل صباح في وطن جديد ..
سطور كتبتها ، أو كتبتني .. بعضها خططته في صالة ترانزيت بأحد المطارات ، أو في جوف طائرة تحلق بي فوق السحاب ، وأحيانا في لحظات شرود أو صمت داخل مؤتمر دولي ، أو في لحظات تأمل علي شاطئ بعيد تستدعي لطمات أمواجه لوحات ملونة للوطن البعيد ..
سطور تتفرق جغرافيتها وتاريخ كتابتها ، ويجمع بينها أنها دفقات لنفس القلب ، وعزف لنفس المحبوبة .. سطور أستنزفتها من شرايين أيام السفر الطويلة …
ليس الإغتراب وحده ، فالحياة كلها غربة ، وإنما شيئ أعمق من مجرد الإنتقال المادي بالجسد ، شيئ يشبه الجرح المفتوح الذي ينزف أيامنا وأزمنة وأعماراً ..
لماذا تركنا الوادي الخصيب في المقام الأول ؟ .. سؤال محير يسأله كل مهاجر ، وتتعدد الإجابات ..
هل لأن الوادي لم يعد خصيباً كما ورثناه ؟ ، أم لأننا – لأسباب عديدة – فقدنا الثقة فيه ؟ ، هل نسافر لأن الصمغ الذي كان يربطنا تحلل فتفككنا ؟ ، وما هي مادة هذا الصمغ ، وهل نستطيع صناعته ؟؟ .. أسئلة كثيرة ، وإجابات أكثر غموضاً من الأسئلة ! .
أن العدو ليس في أي مكان خارجنا ، أنه يعيش معنا ، يقاسمنا الفراش ، يتحرك بحرية في أحلامنا .. نتوهم الخلاص ، وبلا جدوي نقاوم الحقيقية ، لقد انتهت المقطوعة الأخيرة وانصرف الموسيقيون والجمهور ، ولا يزال المايسترو هناك في الظلام والصمت ، يحرك أنغاماً بأصابعه وينفعل ويهتز وينحني للهتاف والتصفيق الذي لا يسمعه أحد غيره .
أنادي النهر القديم …
لماذا لا تروي تلك الحكاية التي يخافون جميعاً من روايتها ؟ .. لا أريد سوي أن أعرف أين ضاعت الأحلام ، وكيف سرقوا أعمارنا منا ؟ ..
وهذا البلد الأمين ، والتين والزيتون وطور سنين ، وشهداء الحرب ؟؟ ..
أين السيف الذي لم يخسر معركة ، والقلب الذي لم يضخ غير الحب ..
أين أنا ؟؟ أين ذاكرتي .. هل انتهي كل شيئ فعلاً ؟؟
خطو العسس فوق الجدار الذي لا أراه ثقيل ، والقلب عليل ، والدمعات تحجرت في الأحداق ، وهي هناك في الحانة بين السكاري ، لا تتذكر منه سوي عاشق كان لها بين آلاف العشاق ، ذبحته بيديها ثم دعته علي منضدتها في العشاء كي تأكل قلبه المشوي .
لم يصدق أنها هي تلك التي حفر صورتها في شرايينه ، ولم يرها أبداً إلا مجنحة تحلق بين الملائكة ، كانت تتحدث بشكل عادي مبتذل ، لم تنظر في عينيه وسيارة الترحيل تحمله مكبلا .. ، لا ..لم تكن تهرب من نظراته وإنما هو بالفعل لم يعد يمثل لها أبداً أكثر من عاشق أدمن الوهم والخيال ..
تلك رسائلي في الغربة ، وهي يا أميرتي لم تصلك أبداً .. صارت بلا نفع سوي كتذكار ، حفظتها عن ظهر قلب من كثرة القراءة والتكرار .. كلمات شوق ورغبة ، خوف ورهبة .. وعذاب انتظار ..
حبي لهذه الأرض هو تلك الرسائل ، ففيها تاريخ مشاعري المكتوب ، فيها فرحة الشروق ودمعة الغروب.. التقينا فوق سطورها أضعاف ما التقينا ، وفيها تعانقنا ، ضحكنا ، بكينا ، وبها بيتي الذي لم يجمعنا .. حبي هو تلك الرسائل ، فخارج سطورها أنت امرأة غريبة ، وأنا رجل غريب ، بلا قصة ولا تاريخ ، ولا حبيبة ولا حبيب !.
لو عرفت يوماً كيف أنت في رسائلي ، لتمنيت أن تسكني بين سطوري !
ظللت تركضين كالسراب في عيون العاشقين ، تلعبين بالقلوب قبل أن تحطميها ، تسخرين من الهوي والمغرمين ، في كل ليلة من ليالي صيف شبابي وشتائه ..
كنت في صومعتي أكتب عنك وإليك ، رسائلاً لم تصلك أبداً ، رسائلاً كنت أناجيها وتناجيني ، تراقصني وأراقصها ، وتخرجين منها عارية دافئة لنسهر إلي جوار النهر نرقب المراكب العائدة بالغائبين في الشمال ، نحمل الندي في عيوننا حين تجيئ لحظة الرحيل ، ودائماً قبل سطر الختام يتوهج الأمل كلؤلؤة ..
في الزنزانة المظلمة ، دفنت كلماتي ، واريتها التراب دون دمعة حزن ولا أسي ..
ما جدوي الكلمات إذا لم تفعل ، ما فائدة الفصاحة الخرساء فوق السطور ، وها هو العمر يترنح في درب الخريف ، أوشك أن يسقط مثل كل الأوراق الذابلة التي يكتظ بها الدرب ، والعاصفة تطوح بالباقي من الآمال ، تدفعها إلي بعيد ، خارج المسافات والأزمان ، خارج الممكن والمستحيل ، والباقي من العمر بعض من العبث قليل .
كل شيئ جاء في غير موعده .. الجمال الذي كنت أبتغيه ويملأني في أبسط مظاهر الطبيعة ، لم يعد يثير شهوة الحياة في شراييني التي تموت ، قد انتهي الدور ، انفض الرواد ، انطفأت الأضواء ، وفي هذا القبر البارد المظلم قدري أن أموت ! ..
هذا الغباء الذي ندعيه حياة لا معني له ، لقد خدعنا أنفسنا ، لا جدوي الآن من محاولة إصلاح ما انكسر ، لأن الزمن لا يلتئم ، والقلب إذا وهن لا تحييه قوة نبضات جديدة بل هي تقتله ! ..
لم يعد هناك الأمل الذي يأتي قبل سطر الختام وكأنه صحوة الموت ، لأن الحياة لم تعد سطوراً منذ ان انتهي كتابها وتواري تحت التراب ..
قبل الرحيل .. يبقي الفالس الأخير .. ” كلمات ترقص الفالس ” .. سطرتها في صحيفة أمريكية مهجرية وجذبت أبناء الضاد كي يرقصوا معها .. والآن في قبو الوحدة لا أجد غيرها كي اراقصها ….

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى