رؤي ومقالات

حسام السيسي يكتب :الخليج يعيد تعريف الردع… ومصر الغائب الحاضر في المعادلة..

القراءة السطحية لتحركات الخليج ترى في التقارب مع تركيا أو الانفتاح على باكستان بحثًا عن بدائل لـ الولاياتالمتحدة.
لكن هذه القراءة تُخطئ في نقطة جوهرية: الخليج لا يستبدل مظلة بأخرى، بل يعيد تركيب مفهوم الردع نفسه في بيئة لم يعد فيها الردع الأحادي كافيًا.
ما تغيّر ليس ميزان القوة، بل طبيعة التهديد. لم تعد المواجهة تدور حول جيوش تتقابل، بل حول صواريخ ومسيرات، ضربات دقيقة، واختراقات سيبرانية.
في هذا النوع من الصراع، لا تُقاس القوة بحجمها فقط، بل بقدرتها على امتصاص الضربة الأولى، والتحكم في التصعيد، ومنع الانفجار قبل حدوثه.
وهنا، لم يعد السؤال: “من الأقوى؟” بل: من يستطيع أن يجعل الحرب غير ممكنة؟
في هذا السياق، تبقى #امريكا هي العمود الفقري، لكن بوظيفة مختلفة: لم تعد الضامن المطلق، بل مدير سقف الصراع؛ تحدد الحد الأقصى، وتتدخل عند خطر الانفلات، وتعيد ضبط الإيقاع. قوتها لم تتراجع بقدر ما تغيّرت طريقة استخدامها من الحسم إلى الإدارة.
في المقابل، تمثل #تركيا إضافة تشغيلية: تعزز القدرة عبر التكنولوجيا والتصنيع العسكري، وتوفر مرونة تكتيكية. لكنها لا تقدم مظلة ردع كاملة؛ لغياب الردع النووي، وتعدد التزاماتها، واستقلال قرارها. لذلك تظل تركيا مُعزِّز قدرة لا ضامن ردع.
أما #باكستان فتدخل من زاوية مختلفة: لا تنافس على إدارة الحرب، بل على منعها. وجودها يضيف “ظل ردع” ناتجًا عن البعد النووي، حتى دون استخدامه. ومع قابلية نشر قوات ومرونة سياسية، تصبح باكستان طبقة ردع داخل منظومة أوسع، لا منظومة قائمة بذاتها.
حتى هنا تبدو الصورة مكتملة… لكنها في الحقيقة ناقصة.
لأن العنصر الأكثر حضورًا نظريًا، والأكثر غيابًا عمليًا، هو #مصر .
السؤال الحقيقي ليس لماذا لم تُطرح مصر كخيار، بل: لماذا لا تظهر في الحسابات رغم وزنها؟
الإجابة لا تتعلق بضعف، بل بنقطة أكثر حساسية:
مصر تملك القوة، لكنها لا تقدم نفسها كنظام ردع قابل للتشغيل داخل المعادلة الخليجية.
في حسابات الخليج، لا يكفي أن تمتلك دولة جيشًا كبيرًا أو موقعًا استراتيجيًا، بل يجب أن تقدم:
عقيدة تشغيل واضحة
آلية قرار سريعة
والتزامًا دفاعيًا يمكن الاعتماد عليه
وهذه العناصر، في الحالة العربية عمومًا، غير مكتملة. لا توجد بنية مشتركة، ولا إطار ملزم، ولا سرعة استجابة عابرة للحدود. وبالتالي، تبدو القوة العربية—رغم حجمها—كقوة غير مُفعّلة في معادلات الردع.
هنا يتضح الفارق الحاسم:
تقدم سقفًا،
تقدم قدرة،
تقدم ظل ردع،
أما … فتقدم إمكانية مركز لم تتحول بعد إلى مشروع.
وهذا هو جوهر الأزمة.
الخليج لا يستبعد العرب لأنه يراهم ضعفاء، بل لأنه لا يرى أمامه نظام ردع عربي جاهزًا للعمل. في بيئة سريعة ومتفجرة، لا تُبنى القرارات على الإمكانات النظرية، بل على ما يمكن تشغيله فورًا.
لكن هذا لا يلغي حقيقة أخرى أكثر عمقًا:
لو تحولت مصر من “قوة كامنة” إلى “قوة مُشغَّلة”، فإن معادلة الردع في الإقليم ستتغير بالكامل. لأن ما ينقص المنطقة ليس السلاح، بل المركز الذي يربط القوة داخل نظام واحد.
وهنا، لا تكون المسألة اختيارًا بين واشنطن أو أنقرة أو إسلام آباد،
بل بين استمرار الاعتماد على شبكات خارجية،
أو ولادة نموذج عربي يعيد تعريف الردع من الداخل.
وفي النهاية، لا يكون السؤال: لماذا لم تُطرح مصر؟
بل: متى تطرح نفسها كنظام لا يمكن تجاوزه؟

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى