كتاب وشعراء

تجربة قاسية….بقلم سعيف علي

تبدو لي الكتابة تجربة قاسية، لا لأنّها عمل ضاغط، لكن لأنّها اللوحة التي على الآخرين أن يتعرّفوا على صاحبها دون كثير من التركيز وبأمر يشبه البداهة. أن يُعترف بشيء من الحظّ أنها جميلة ورائعة ومُبدِعة، وأن العالم جميل بها. وكونها تجربة، يعني أنّها ممارسة للوجود وامتداد الأنا في ذاتها، هو أمر مترف أحياناً. إنّها الإعلان عن العزلة، وتُشبه الذين يدخلون كالرسّامين مدينة الألوان ولا يخرجون منها أبدا. غير أنّ القسوة الأعمق،، هي أن تُقرأ وأنت غائب، أن يمسك بك القارئ من حيث لا تعرف، ويُصيب فيك ما لم تتعمّد، ويُخطئ فيك ما ظننت أنك أحكمت صياغته. القسوة الحقيقية ألاّ تملك حقَّ الاعتذار عن تأويل فاتك أنت نفسه.
لا تدل الكتابة على نفسها لأنها ممهورة بامضاء أو اسم ثلاثي أو مركّب أو حتى اسم شهرة. هي تدل على نفسها بتواشجها وطبعها، لا بتطبّعها وأسيابها، كرقراق الماء في مرج يُعرف باسم كاتبها. والتواشج سرّها الأعقد: أن تتشابك الجملة مع الأخرى، لا كحبلٍ مفتول، بل كعرقٍ في جسد، أو كشجرتين التوتت أغصانهما في هدوء، فلا تعرف أين تنتهي هذه وتبدأ تلك. التواشج هو أن تتنفّس الكتابة بعمق، فترتفع أحشاؤها وتهبط على إيقاع لا إرادي، مثل شهيق الطفل النائم. أمّا الطبع فهو أن لا تتصنّع الكتابة حزناً أو فرحاً، بل تكون حالاً من الأحوال، مثلما يكون العرق غزيراً أو خفيفاً من غير أمر. الطبع أن تكتب دون أن تشعر بأنّك تكتب، ودون أن تشعر بأنّك تُقرأ، وكأنّك تهمهم لنفسك في غرفة فارغة.
إنها عمل صعب ومتعب، لكنه ليس ثقيلا. إنها شيء قريب من هذا، لكنها ليست أبدا عناء. ليست ثقيلة لأنّها إذا أثقلت صارت وصية، أو صارت خطابا فجا و صارت لائحة شكوى. الكتابة المتعبة فقط هي التي تنتهي بأنين خفيف، كأنين الناي حين يُملأ الهواء. أمّا الثقيلة فتنتهي بصمت الرصاص. الكتابة الصّعبة لا تجد فيها نفسك إلا وقد غادرت كرسيك، و انتصبت واقفا في منتصف الغرفة، تنظر إلى الجملة الأخيرة كأنها طفل ولدته للتو، ولا تعرف إن كان جميلاً أم قبيحاً، لكنّك تعرف أنّه حيّ.
الجملة الكاملة قبر
ثمة معاناة اسميها الترتيب والترصيف، وتركها لريح التأويل، فأيُّ كتابة إن لم يدخلها التأويل، لأنّه أحد معانيها. لكن معاناة الترتيب ليست كمعاناة البنّاء؛ البنّاء يعرف أين تدبذهب كلّ حجر، والكاتب لا يعرف، لكنّه يضع الكلمة إلى جانب الأخرى كما يضع من يمشي في الضباب قدماً أمام قدم، لا يدري أين تؤول به الأرض، لكنّه يعلم أنّه لا بدّ سائرا. الترصيف هو أن تجعل الكلمات تتقارب دون أن تتصادم، أن تصطفّ الجمل كما تصطفّ السنابل في الحقل، لا متساوية، ولا متوازية لكن مائلة قليلاً نحو الريح ذاتها. ثم تأتي ريح التأويل فتحركها ، تصدر ذلك الصوت الخفيف الذي يشبه الصمت، وهو أعمق من الصمت. التأويل ليس تفسيرا، التأويل أن تقرأ الجملة فتسمع فيها ما لم يقصد كاتبها، بل ما قصدته هي نفسها دون أن تدري. وكلّ كتابة حقيقية هي مؤوَّلة قبل أن تكون مكتوبة، مؤوَّلة بمعنى أنّها مائلة، مائلة عن المعنى.
لقد كان فعل الكتابة أشدّ قسوة مما ظننت. لأنّه ليست لوحة فقط، بل لوحة ترسم نفسها بنفسها، ثم تطلب منك أن توقّع عليها. وليست عزلة فقط، بلعزلة مزدوجة: أن تكون وحيدا حين تكتب، وأن تكون وحيدا حين تُقرأ، لأنّ كلّ قارئ يقرأ كتابة مختلفة، وكلّ قارئ يخلق كاتبا جديدا. وكونها تجربة وجود وامتداد للأنا، فهي أيضا تجربة فقدان الأنا الأنا التي تكتب ليست أنتَ، والأنا التي تُقرأ ليست أنتَ، والأنتَ الحقيقي يبقى في مكان ما، عاريا، يراقب كلّ الأناوات وهي تتشابك وتتوالد . قالوا قديماً: الكتابة أن تعيش حياة أخرى إلى جانب حياتك. لكن الأقسى أنها قد تصبح حياتك الوحيدة، وكلّ ما عداها هوامش.
البناء بالوهن
رأيتُ نفسي دائما بناء بساعد ضعيف يبني مدينته بقسوة. لا لأنّ الحجارة ثقيلة، بل لأنّ المدائن التي تُبنى بالكتابة لا تُرفع بالعضلات، تُرفع بوهن الذاكرة وارتعاشة الإصبع على الورقة او على لوحة المفاتيح. رأيتُ نفسي أمسك الجملة كما يمسك المريض كأس الماء، تخونه الأصابع لكنّه يعرف أنّ الماء هو الحياة. أبني مدينتي بقسوة، قسوة من يعرف أنّ كلّ حجر يضعه قد يكون آخر حجر، وأنّ السور الذي يشيده اليوم قد ينهار غدا بنَفَس قارئٍ يتثاءب. أبنيها بيدي الضعيفة، يد تعبت من حمل الأقلام لا من حمل الحجارة، يد خشنة من كثرة ما كتبت وما مُحت. لم تكن القسوة اختياري، هي قانون المدينة: لا تُبنى المدائن الكاتبة إلا على وهن و بوهن .
أبني بقسوة فأضع أساسا من كلمة “ربما”، وأرفع جداراً من “لعلّ”، وأُقيم سقفا من ليت “. أبنيها على عجل لأنّ العاصفة قادمة، والرياح لا تنتظر. أرى المارة من بعيد، أرى القرّاء المستقبلين وهم لا يزالون أطفالا يلهون في ساحات أخرى، أرى من سيهدم بيوتي ومن سيسكنونها ومن سينسون عنوانها. ورغم كلّ هذا، أرفع حجرا آخر. اليد ضعيفة لكنّها تعرف حركة واحدة: أن تضع كلمة إلى جنب كلمة. لا تعرف كيف تبني قلعة، لكنّها تعرف أن تسميها .
حين أصدق كذبي
أسأل نفسي وأنا أضع حجرا فوق حجر. لماذا أبني بساعد ضعيف؟ لماذا لا أرتاح؟ لماذا لا أترك المدينة مثل غيرها من المدن التي لم تُبن؟ لكنّ اليد الضعيفة لا تعرف إلا البناء، مثل العنكبوت -و هو هنا دليل على صلفي ايضا -الذي ينسج بيته كلّ صباح رغم أن الريح تهدمه كلّ يوم. العنكبوت لا يتعلم، ولا يتعب، ولا يسأل ليجيب نفسه. انه ينسج فقط لأن وظيفته ان ينسج و يصداد . أكتب لأنّي كاتب، وهذا ليس فضيلة، انها عادة سيئة لا أستطيع تركها. أبني مدينتي بقسوة لأنّ القسوة أصبحت عادتي: أن أرى الجملة تامة فأهدمها، أن أرى المعنى واضحا فأعكر صفوه . . القسوة أن أكون أوّل من يهدم مدينته، قبل أن تهدمها الرياح أو القرّاء. بهذا أضمن شيئاً واحداً: أن أكون أنا من يبكي على أنقاضها،
أكتشف القسوة و باعتراف فادح .أنني كلّ مرّة أبني هذه المدينة لأعيش فيها وحدي، بل لأوهم نفسي أنّني قادر على الكمال. الكمال المقرف، الكمال الذي يشبه السراب في صحراء النص: تراه من بعيد ماء زلالا .تركض نحوه، فلا تجد إلا رمالا وجمرا. أبني فأهدم، أرصف جملة فأجد تحتها ألف جملة ناقصة،.
أوهم نفسي بالكمال. بجعل حجارتي التي تبدو صامدة، وأن أجعل فراغات مدينتي تبدو ملاذات لا ثغرات. أرتب الكلمات في صفوف كما يرتب الجندي أزرار زيّه، كأنّ النظام سيحميها من الموت. أكتب جملة طويلة ومعقدة، فأوهمك أنها جملة حكيم، لا جملة خائف يخبئ ارتباكه خلف حروف كثيرة. أو أكتب جملة قصيرة قاطعة،
الأقسى أنّني بدأت أصدّق وهمي.و هي لحظة يتحول فيها البناء إلى سجن. عندما أقف على سور مدينتي نصف المبني، وأنظر إلى الفراغ الذي يحيط بي، فأقول لنفسي: “ما أجملها! ما أكملها!” عندها فقط، تصبح مدينتي كاذبة. لأنّ الكمال لا يُبنى بأيد ضعيفة، الكمال يُخترع فقط في عيون من لا يريد أن يرى الصدوع. للأسف، أريد أن أراها. بل أعشقها. هي وحدها التي تجعل مدينتي حقيقية. أوهم نفسي بالكمال،
أنا في حالة حرب دائمة. نصف يبني كمالاً وهميا، ونصف يفضحه بجملة واحدة. هذا الصراع هو نبض الكتابة. لولاه، لكان النص جثة ممددة على كرسي.
ليس القارئ المفترض ضحية إيهام، بل شريك في اللعبة. يأتي إلى مدينتي، يبحث عن كمال يعتقده. يمرّ على جدرانها المخلخلة، فيخترع في رأسه دعائم لا أراها. يقرأ جملتي الناقصة، فيضيف إليها من خياله ما يجعلها كاملة.
القارئ هو أعظم مُوهِم. هو الذي يكمل بناء المدينة. وقد بنيت نصفها فقط، نصفا مشوها متعبا ، يبني النصف الآخر وهو يظن أنني أنا من بناه نصبح أنا وهو، دون أن ندري، شريكين في وهم الكمال. وأجمل اللحظات هي تلك التي يكتب فيها القارئ في هامش الكتاب: “هنا بلغ الكاتب ذروته”. بينما أنا، ذروتي كانت مجرد كلمة وضعتها بالصدفة في مكانها الصحيح.
أعترف لي بأعمق قسوة. عندما أكتب جملة وأشعر أنها جميلة، أتوتر فورا. لأنّ جمالها يعني أنها قتلت إمكانيات أخرى. كل جملة كاملة هي قبر لجملة ناقصة كانت أجمل. كل جدار مستقيم في مدينتي هو جدار منعني من أن أرى الأفق من زاوية أخرى. الكمال الذي أوهم نفسي أنني أريده هو في الحقيقة أكثر ما أخافه. لأن الكمال نهاية. والكتابة لا تريد نهاية، الكتابة تريد أن تبقى جريحاً، ناقصاً، مفتوحاً، كي تستطيع أن تكتب غدا جملة جديدة. لهذا، ربما، أدمر مدينتي كل ليلة. بيدي الضعيفة، أهدمها لأوهم نفسي أنني سأبنيها غدا بشكل أكمل. لم يعد الكمال ا هدفي، بل حصاني الذي أركض به.
لا أملك حق الاعتذار
أوهم نفسي بأن تعبي هذا ما يجعل كتابتي حقيقية. وأوهم بأن اعترافي هذا أكثر ما بنيته صدقا في مدينتي مثل كلّ شيء، نصف صدق ونصف إيهام. المهم، في النهاية، أن المدينة قائمة فيا اهتزازهت ناقصة، لكنها قائمة. وأن اليد الضعيفة مازالت تضع حجراً فوق حجر، مبتسمة، لأنها تعلم أنها لن تنتهي أبدا وهذا هو عزاؤها الوحيد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى