كتاب وشعراء

من تراث الرافدين: حكاية نور وعشق السنابل… بقلم نازك حكيم

لكل زمان ومكان قصة ورواية تُحكى منذ القدم، سواء كانت من الماضي البعيد أو الحاضر المعاش، وسواء تجسدت في الأحداث أو الأفعال. وسيرة المدن العراقية كبغداد والبصرة والفاو، تبقى عامرة بالحكايات التي تنبض بالأصالة.
نور.. أميرة الخوص والحرير
تبدأ حكايتنا بفتاة من الجنوب العراقي تُدعى نور. كانت نور آية في الجمال، رشيقة، أنيقة، تفيض حسناً ودلالاً. ينسدل شعرها كالحرير على كتفيها، وتزدان ملامحها بعينين واسعتين تعكسان طيبة أرض الجنوب وأهوارها المعطاءة.
تعمل نور مع والدتها في فنون التطريز والحياكة، كما كانت تبدع في المشغولات اليدوية المصنوعة من “خوص النخيل”. كانت تصنع أطباقاً بأطراف أناملها الرقيقة الناعمة، وتطرز خيوط الحرير على الأقمشة الفاخرة، مستوحاةً نقوشها من زهور واحة منزلها وعطورها الفواحة. كانت تحضر بضاعتها بعناية فائقة لتبيعها للنساء اللواتي كنّ يتهافتن على اقتنائها.
التاجر والشغف الخفي
في أحد الأيام، وصل تاجر من بلاد الشام يُدعى هشام، كان يجوب البلاد باحثاً عن أجمل البضائع. عندما وقعت عيناه على تطريزات نور وأطباق الخوص التي تصنعها، ذُهل من دقة الصنع وجمال الملمس.
صار هشام يتردد على الجنوب في كل عام خصيصاً ليشتري منها، ويشيد بأسلوبها الراقي ورقتها وكلامها العذب. كان يحمل بضاعتها ليبيعها في بلاد الشام والحجاز، وصولاً إلى بغداد، مدينة الأصالة والتراث. وكلما سأله الزبائن عن سر هذا الإتقان ومصدره، كان يخفي اسم “نور” في قلبه؛ ليس خوفاً على التجارة، بل لأنه كان يحبها حباً شديداً ويخشى أن يسرق أحدٌ سرّ موطن جمالها.
نهاية السكون.. وبداية الفرح
وذات يوم، وبينما كان هشام يشتري القطع الجديدة، وبحضور والدتها التي كانت تلازمها دائماً، قرر أن يكسر حاجز الصمت. نظر إلى نور وقال بصدق: “يا نور، إني أنوي طلب يدكِ، فهل تقبلين بي؟”
ساد الصمت والهدوء المكان للحظات، واحمرّت وجنتا نور خجلاً. وهنا تدخلت الأم بحكمة قائلة: “تفضل يا بني إلى بيتنا الذي بنيناه بأيدينا وسط الخضرة، هناك يمكنك لقاء والدها والحديث معه”
غمرت الفرحة قلب هشام، وعاد سريعاً مع والديه لخطبتها رسمياً. وافق الأب ووافقت نور، وأُقيم أجمل عرس عراقي أصيل، ليتوج قصة حب جمعت بين أصالة فتاة الجنوب العراقي وشهامة شاب من بلاد الشام الجميلة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى