رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : السلطة في التفاصيل

لماذا يريد البعض إسقاط النظام،
أي السلطة السياسية وينسى أن السلطة الابن الشرعي للسلطة الاجتماعية؟
كيف يمكن إسقاط نظام سياسي بأدوات ستنتج غيره؟
ثم من قال ان السلطة هي الحكومة فحسب؟
لو ذهبنا الى كل الفكر الحديث لتعريف النظام والسلطة، لوجدنا مفهوما مغايرا للفهم السائد عندنا ويعني:
السلطة تتواجد في الحجوم المجهرية، في اللغة، التراث، الأسرة، التقاليد،
الطقوس، الذاكرة، الهوية، الأعراف، الثقافة، الأصدقاء، السجون، مناهج التربية والتعليم،
طقوس دفن الموتى، التحية والمصافحة والعناق والغزل في المستشفى والنادي والمنظمة السياسية ودور العبادة وفي علاقات الهيمنة.
هذا النوع من التفكير في أن السلطة هي الحكومة من مخلفات الفكر الانقلابي الرأسي
الذي كانت تقوم به مجموعة أو نخبة وتسمى طليعة كما في الستينات في انقلابات متتالية وتفتتح بحيرات دم،
في حين التغيير الحقيقي هو الأفقي من النظام الاجتماعي الى النظام السياسي وليس العكس.
الذين يبحثون عن السلطة أو النظام في الحكومة ومؤسساتها،
وخطاباتها وقوانينها،
لن يعثروا إلا على الجانب العلني المزيف من السلطة، الجانب الشعاراتي الخطابي الاحتفالي ،
وهذا الجانب الزائف غذته ونمّته كل الأحزاب الشمولية الثور ـــ ية،
وقادت الناس الى الطريق الخاطئ وصناعة المفهوم الضيق في أن النظام هو الحكومة وتم بناء مؤسسات وهندسة عقول وأحلام وأوهام بل حتى
مذابح على أن تغيير الحكومة هو تغيير النظام.
النظام موجود في المناهج المدرسية وفي علاقات الناس وفي أطفال المزابل ونوافذ المدارس المكسرة في الشتاء، في عقول الأساتذة والمربين وفي خطابات الفقهاء،
في نظام الشرفات حيث الشرفة الامامية تعكس مستوى الانفتاح والتعايش الهادئ،
والخلفية مستوى الانغلاق والتعايش القلق.
في الحديقة المنزلية الامامية او الخلفية وتطور نظام الحدائق المنزلية يعكس التطور الاجتماعي كذلك في شبابيك الحديد للنوافذ وحجم الاقفال وكاميرات المراقبة ـــــــــــــ الآن بيني وبين الجيران عشب حديقة فقط بلا سياج. الثقافة، العرف، القانون هو السياج.
النظام في العقل الاختزالي الانتقائي الذي يسجن الانسان في خانات وملفات وفي أرشيف الى الأبد ويمنحه كودا ورمزا للحفط ويعود له متى يشاء كما يفعل رجل مخابرات أو أمن مع ان الانسان طاقة تحولات من اليقظة الى النوم ومن الولادة حتى الموت وحبسه في اطار وعنوان اعتداء وعدوان عليه في حقه في التغيير وحقه في النسيان وفي حقه في أن يبدأ من جديد.
النظام ان تكون انت في الداخل كما في الخارج، لا مجمّع شخصيات ولغات وأدوار وأقنعة. في نفايات الشوارع وتلال الازبال. النظام موجود في حجم الاقفال كبيرة أم صغيرة،
في ارتفاع جدران المنازل أو انخفاضها، في كاميرات المراقبة في الشوارع وفي المنازل تشير الى مستوى الأمن والأمان،
في جمال ونظافة الحدائق العامة لأن الحدائق تعكس مراحل التاريخ،
السلطة في وجوه الارامل واليتامى وكبار السن الذابلة، في العيون القلقة للشباب والشابات،
وفي الوجوه المنتظرة خلف النوافذ كزهور ذابلة.
الدفان على قول ماركس يعرف النظام السياسي من وزن الموتى،
كما يعرف البقال حجم الازمة الاقتصادية وزيف الشعارات من دفتر ديون الزبائن.
أصحاب الأفران يعرفون الدخل المالي للعوائل أكثر من خبراء الاقتصاد
كما تعرف الجدات النظام من مشتريات سلة التسوق. النظام موجود في مواقد الشتاء وحكاياته،
في الوجوه الآمنة المطمئنة والنوم الهادئ السعيد، في الضمان الاجتماعي للارامل والامهات وكبار السن وفي الحق في العلاج والبحث والسفر والعقيدة وفي الاختلاف وفي الكلام وفي الصمت.
النظام موجود في كأس حليب تشربه في الصباح بكل هناءة، وفي أغنية تسمعها وأنت جذل،
في دفتر الضمان الصحي والاجتماعي وفي ضمان حياة الاطفال من الولادة
حتى اليوم الأخير.
النظام قاضي تشتكي منه عنده، ورئيس دولة تلتقيه في الشارع وتصافحه كصديق،
لا موكب زعيم عصابة وخلفه طابور مسلح يراقب المارة وحملة بنادق خلفه،
النظام السياسي في طعام أطفال المدارس في حقائب الظهر،
في قدح شاي تشربه في مقهى بكل أمان، في كتاب تشتريه من مكتبة لا من مكتب أمن مموه.
النظام موجود في وصفة علاج تشتريها وحذاء تشتريه دون حساب ماذا سيبقى من مصروف العائلة.
التحرر من الاستبداد السياسي لا يعني شيئاً كبيراً أمام منظومة واسعة من الاستبداد المسرطن والمنتشر في حجوم صغيرة .
نظام الاعتقال السري لا يشمل المدن المحاصرة من الخارج بمطار عسكري وثكنة عسكرية فحسب، بل يتغلغل في أعمق شرايين المدينة، في مناهج الدراسة وخاصة الحقول الاجتماعية واللغوية واقفاص التفكير والقوالب والخصاء العقلي وانعدام المرونة وعقلية الأبيض والأسود،
وفي الآداب والفنون والرياضة، وفي التحكم بالمكتبات العامة لدواعي حماية الحشمة كما لو ان الحشمة زجاج هش سريعة الانكسار مع ان الحشمة الحقيقية لا تكسرها كل ادوات الفولاذ والاغراءات والظروف.
النظام في مناهج الأحزاب التي تلقن وتربي على نظام الطاعة الحزبي والعربي جاهز للطاعة لأنه مدجن ومروض من الولادة من خلال نظام أبوي
باترياركي Patriarchy صارم هو المصدر الجوهري للطغيان الشرقي ورحم الدكتاتورية حسب المفكر هشام شرابي وغيره.
الطاعة مشروطة بالعدل والحكمة والحق وليس بالاكراه.
لا تتوقف مؤسسات القمع عند هذه الحدود، بل تمتد الى القبيلة والنادي والمعمل والمدرسة، وكلها تشكل” النظام السياسي” الذي نختزله بالحكومة فحسب كما في شعارات الحيطان والاعلانات.
النظام هو الصديق والحائط الذي تتكئ عليه وخبز العافية وسرير الأمان واذا لم يكن كذلك، فهو مغارة وحوش.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى