
وصلنا مرحلة نحتفل فيها بكل من يحب وطنه ومن يخلص في عمله مع ان هذا هو الطبيعي وحتى النملة تعتز بثقب الأرض بتعبير شاعر دون ان تسمع النشيد الوطني او اغنية وطنية وأي طائر يدافع عن عشه دون احتفالية أو ضجيج.
من حق أي انسان أن يدافع عن حريته وكرامته بالطريقة التي يراها مناسبة وحسب ظروف هو يقررها، لكن ليس من حق كل من هرب أو اختبأ في صحراء أو مستنقع أو جبل أو منفى،
أن يرتب حقوقاً ويفرض امتيازاً على الآخرين، لأن الهروب أو البقاء هو قرار فردي و ليس في الأمر بطولة. الوطنية ليست سياسة بل طبيعة.
الكاتب النرويجي بيتر مونين اعتقله النازيون خلال احتلال النرويج في زنزانة،
وبدأ يكتب يوميات رائعة بالحفر على ورق التواليت بأعواد الثقاب ويخفيها تحت بلاط الزنزانة،
وعندما تم ترحيله الى المانيا مع سجناء غرقت الباخرة في الطريق ومات ومن معه، بعد التحرير عثروا تحت البلاط على يومياته،
لكنك لو سألت أي نرويجي عن بيتر ستجد جواباً مختلفاً عن اجاباتنا وعن القابنا الكبرى لكل من دافع عن حريته. لا حاجة لان نهتف لكل شجرة تفاح مورقة وكل وردة وكل نجمة.
وماذا كانت تفعل ربات البيوت في زمن الحصار؟ الزوجات في الحروب؟ الامهات أمام ثلاجات القتلى؟ عمال الأفران والطابوق في الصيف المهلك؟ الاطباء الخفر؟ عمال تنظيف الشوارع؟ الجنود القتلى أو أقفاص الأسر في حرب الثماني سنوات؟ لماذا اقصاء هؤلاء الشرفاء من وصف المناضل؟
ما أن يموت أحد هؤلاء قضى نصف حياته مختبئأً في تنور أو كدس تبن أو في مغارة بلا أي انجاز فكري أو ثقافي أو سياسي عدا خواطر سياسية شعاراتية باهتة غادرها الأدب،
حتى يتم نعيه كمناضل” منذ نعومة أظفاره”،
ولو حسبنا أعداد هذا الصنف من المناضلين،
وحسبنا أعداد القتلى والمشردين والمعاقين،
عقلياً وجسدياً،
ولو حسبنا أعداد المقابر الجماعية والفردية، وعدد الجلادين والفارين، في الوطن وخارجه،
ولو حسبنا أعداد العصي والمراوح الكهربائية وأحواض التيزاب التي محت
شرائح كثيرة،
ولو حسبنا عدد المشانق وحيطان الرصاص وعدد الأرامل واليتامي،
وعدد اللصوص ووعاظ السلاطين، والسلاطين أنواع، لو حسبنا كل ذلك وغيره،
لفهمنا بدقة معنى نضال الجميع منذ نعومة أظفارهم.
في العراق فقط يولد” المناضل” منذ مرحلة القماط لكن يولد الجلاد من الظروف ولا يكتمل أحدهما بلا الآخر.
لغويا، تعني نعومة الأظفار منذ الطفولة والصغر، فهل حقاً يوجد مثل هذا العدد الهائل من المناضلين وهذا العدد من الضحايا والمقابر والقتلة والفارين؟
واين كان هؤلاء يناضلون؟ في السرير؟ ساحة سباق الخيل؟
غرف الدخان ؟ الحانات؟ وكيف، اذا كان الحق في السؤال محترماً، ترك هؤلاء
طفولتهم وحفاظاتهم ودُماهم وانخرطوا في النضال المبكر،
وهم في مرحلة تخصيب البويضة في الرحم، ثم في مرحلة النضال العلني
و” النضال” السري؟
أين نتائج ذلك النضال الذي لم يغير شعرة في رأس حاكم بل لم يغير طبيعة تفكيرهم، أو مسؤول بلدية ولا حتى في زبال الشارع،
والنتيجة هذا العدد الهائل من القتلة واللصوص والضحايا؟
هل تحمّل البصقات والصفعات والرفسات والتعليق بالمراوح ووضع الخوازيق والموت تحت الأحذية والقفز من الحيطان والتخفي واستنزاف الحياة في اجتماعات بائسة مدرسية انشائية،
وقضاء الوقت في التدخين في المقاهي مع شوارب ثورية لم تعد تصلح إلا لمسابقات القطط،
بلا أي هدف ولا نتيجة هو نضال؟
هل نصفق لكل من نجا بنفسه واختفى او نحتفل بكل شجرة تزهر وطائر يطير ونهر يجري وغيمة تمطر؟
من الطبيعي ان يدافع الانسان والحيوان وحتى الحشرات والاشجار والازهار بالاشواك عن حياتها،
فلماذا الصخب والاحتفال والالقاب؟ اذا كان الدفاع عن الحياة بطولة، فلماذا لا نتوج القنافذ ابطالا وفلاسفة والصرصار مناضلاً ؟
كل عمل سياسي مشروط بنتائج محددة وأهداف عملية وزمن محدد لكي يتم الانتقال الى خطوة أخرى وعمل آخر،
واذا فشل هذا العمل في عقود فهذا يعني خللاً مهلكاً يقود الى رمي الناس الى محرقة سلطة متغولة، وكطعم وعلف حروب.
كل هذا لأجل أن يقال في المحافل إننا قدمنا أكبر عدد من الضحايا،
ثم التصفيق؟ وما هي نتائج وحصاد هذا النضال؟
ليس هناك أي نضال بلا سقف زمني وبلا نهاية وبلا برنامج،
أو يكون عبثاً وتجارةً بدماء الشهداء،
أو رقصة موت كما في فيلم ورواية” إنهم يقتلون الجياد، أليس كذلك؟”
مشكلة السياسي المغفل الملقن انه لا يعرف نفسه لان العقل الملقن عاجز عن فحص نفسه ولان المصاب بالانتفاخ الذاتي المرضي لا يملك صورة ذاتية حقيقية عن نفسه ـــــــــــــــــ كحيوان يتشاجر مع صورته في المرآة ـــــــــ بل صورته مستمدة من محيط او وسط يتبادل معه النفاق لذلك يصدم هؤلاء عند الخروج الى جماعة مغايرة تنظر لهم نظرة محايدة كببغاوات هرمة تجتر ماضيها في اقفاص عقلية من المستحيل الخروج منها لانها تحولت الى خلايا ومسارات عصبية وبنية عقلية عضوية.
شعار النضال الى آخر رجل ــــ لماذا ليس آخر امرأة؟ ـــ هو شعار
مصانع ومعامل وشركات وليس شعار أحزاب وطنية حقيقية. ثم ماذا يفعل هذا الطرطور الاخير الناجي الوحيد من مجزرة في مجتمع الأرامل؟
لا عمل سياسياً بلا ثقافة فكرية، ولا ثقافة بلا سياسة. لكي لا يتكرر هذا النوع من النضال منذ نعومة الأظفار،
نأمل من الجميع أن يكفوا عن هذا النوع من النضال ويعيشوا طفولتهم،
وبدل “الانخراط ” في النضال وهو في مرحلة الطفولة،
عليه زراعة شجرة أو لحظة تفكير أو دراسة التاريخ لكي لا تتحول غرفة نومنا،
الى مباول ولحانا الى مكانس وجلودنا الى أحذية كما حدث مرات ،
وإذا إستمر هذا النوع من “النضال” فلن تزدهر غير المقابر والسجون والمنافي.